الشك المنهجي، ضرورة يومية.

منذ ما يقرب من نصف ألفية حرق رجل لأنه قال أن الأرض كروية، مزعزعاً بهذا الأفكار الراسخة عن إنبساطها، نُبذ لأنه شك، كما يُنبذ كل مشكك بالأفكار المتوارثة الآن، فقط لأنه على غير “الفطرة”، ..


الشك المنهجي هو الشك بالشيء لإثبات وجوده من عدمه، أو صحته من خطأه، و هو بخلاف الشك المطلق، هادف، لا يسعى إلى سفسطة عن إستحالة المعرفة و قصور الحواس، لكن العادة عند السواد الأعظم من البشر تغلب الشك، فـ أفكار المجتمع من دين و إعتقادات تحقن بفكر الصغار ليحقنوها بدورهم بفكر صغارهم عند الكبر، لـ ينتج بالنهاية تفكير عام قاصر محدود، جاهل لأغلب القضايا الفكرية التي يحوم حولها التساؤل بالفطرة، فلا عجب أن البعض لليوم لا زالوا يتعجبون كيف أن سكان الجانب الآخر من الأرض يقفون “بالمقلوب”، و غير هذا من قصور إدراكي لموضوعات تمس الوجود ذاته كـ الله، العقل، الروح و مكان الكيان المفكر بالوجود، و لا داعي لذكر أن هذا القصور يمتد إلى الإعتقادات الدينية التي تنتشر كـ أفكار صلدة لا يتاح التفكير بها، بالرغم من أن كثير من الديانات و منها الإسلام تدعو للتفكر بكل شيء، و إن كان منع الإسلام التفكر في أصل ذات الله فقط.

لذا، فـ الشك المنهجي واجب عليك تجاه نفسك، أن تشك بوجود الله مثلاً هو ليس كفر، أنت فقط تضع سؤال، لماذا أؤمن بالله ؟، و بمثل هذا السؤال تدفع إيمانك بالأفكار الصحيحة ليقوى، و تزيح الأفكار الخاطئة منك، و أقول واجب عليك تجاه نفسك لأنك حقاً لن تحب أن يأتيك شخص أعلم منك فـ يخلخل إيمانك بالله بسؤاله لماذا تؤمن به، و كم من أمثلة حولنا لمثل تلك الحالة.

أضع فقط مثال بسيط هنا حدث بعصر هارون الرشيد، لكن لا تدفع بالأسطر إلى أعلى لتجد الإجابة، فكر بها للحظة لـ تقيس إلى أي حد أنت مدرك لذاتك و أفكارك، كان بعصر هارون فرقة بـ فارس وعد كبيرها أن يؤمنون بالإسلام في حال تمكن مسلم من أن يجيب سؤال وحيد، فأرسل هارون أعلم وزراءه، الذي ما إن سمع السؤال حتى غمغم بأن التفكير بأسئلة مشابهة غير مسموح به، لا أظنه قصد محرم، بل إعتاد المجتمع على تصلب فكري لا تظهر معه أسئلة مثل هذا السؤال، “إن كان ربك قادر على كل شيء، فـ هل هو قادر أن يخلق رباً مثله ؟”.

ربما ستندفع أنت أيضاً للقول بأن مثل تلك الأسئلة حرام و لا تهدف إلا لزعزعة الدين، لكن إن عجزت عن الإجابة يعني فعلاً أن من السهل جداً إثارة تلك الزعزعة بنفسك، فكر لدقائق قبل تأتي عينيك على ما يتلو الفاصلة، بناء هذا السؤال بالأساس غير صحيح، فـ المخلوق هو حادث يسبقه حادث الخلق، مما يجعل أي مخلوق له بداية محددة، غير أبدي، لذا يستطيع الله أن يخلق رب، لكنه لن يكون مثله لأنه بالنهاية، مخلوق، ربما يشبه هذا المثال إلى حد ما القصة المشهورة عن العابد و العالم و سؤال أيستطيع الله وضع الكون في بيضة.

بالنهاية، أقول أن الشك المنهجي هو ضرورة للإدراك، و الإدراك ضرورة للحياة كـ كيان متفرد لا مجرد نسخة أخرى بالقطيع، لكن لا أحدد موضوعات معينة هي التي يجب أن يدور حولها الشك، و إن كنت أعتبر الشك بكل شيء و فكرة لـ مرة واحدة على الأقل هو السبيل لإدراك حقيقي لذاتك.

Advertisements

3 تعليقات to “الشك المنهجي، ضرورة يومية.”

  1. مهند Says:

    ً رائعة جداً، بعد قرادة لي في مدونتك اصبحت يوما بعد الاخر احس بآني طبيعي والغير هم الشواذ

  2. مهند Says:

    اسف ، اقصد قراءة

  3. FAR...CRY Says:

    أتمنى أن تستمتع هنا دوماً =)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: