الله، السبب و النتيجة.

في الوقت الذي يفخر به الغرب بأنه لا يعتقد بوجود إله، يفخر الشرق بإعتقاده وجوده، و عند تلاقي الإختلاف يسرد كل من الطرفين أسباب تبدو كافية لإثبات، و نفي وجود الله، لكن عند التعمق بها قليلاً نجد كثير منها قشور تخفي بداخلها فراغ،..


ربما البداية الفعلية لتفكير منطقي و متسلسل لوضع وجود الله من عدمه هي تعريف الكلمة، فـ هناك ثلاثة تعريفات لله، أولهم أنه الخالق، و ثانيهم أنه المحرك، و ثالثهم أنه الخالق و المحرك معاً، التعريف الأول يجعل الله خالق، لكن غير متحكم، كـ آلهة الأغريق كمثال، بينما التعريف الثاني يجعل الله نابع من الوجود و محرك له، أو متحكم فيه و نابع منه بنفس الوقت، و هو ما نراه بالثالوثيات الفرعونية بفترة إختلاطها بالفكر الشرقي، أما التعريف الأخير فـ هو إله خالق و متحكم، و هو ما نراه بالديانات السماوية، و عند حديثي عن الله هنا لا أعني التعريف الأول أو الثاني، بل أعني جوهر نبع منه الوجود، و متحكم فيه، و مثل هذا الجوهر بالتأكيد لا يمكن أن يسبقه شيء فـ هو مسبب لذاته، مما يجعله أبدي، لا بداية لوجوده و لا نهاية له، كما أنه خارجي عن الوجود و يشمله، و مدرك لحوادثه ليتحكم به.

بعد التعريف يأتي السؤال، هل هذا الجوهر موجود ؟، و لأخذ الجانبين سأفترض وجود الله و محاولة إلغاء هذا الإفتراض بالأسباب الغربية، لذا بداية فالله -بالتعريف السابق- موجود، ما هي الأسباب التي تعارض هذا ؟، يجد الغرب فكرة وجود الله سخيفة لأن الوجود يفسر نفسه، القوانين الفيزيائية هي التي تتحكم به، و الوجود لم ينبثق عن جوهر خالد بل إنبثق من الإنفجار العظيم، من تلك النقطة التي إندفع منها الطاقة مع الفراغ و الزمن، تلك فعلاً كانت بداية الكون كما نعرفه، كانت بداية وجود الزمن ذاته لأنه غير مطلق.

و هنا يتوقف التعليل، لكن هذا التعليل يدفعنا للتساؤل ما هو سبب الإنفجار العظيم ؟، و من أين أتت تلك الطاقة ؟، في الحقيقة هناك قلة من العلماء تتجرأ على وضع إفتراضات تتخطى الإنفجار العظيم، إفتراضات أعقد من عرضها هنا لكنها ببساطة تدفع لنفس التساؤل، لو كانت تلك الإفتراضات صحيحة فـ ماذا سبّبها ؟، هنا نأتي لتلك الدائرة المفرغة السخيفة التي واجهتها الفلسفة الذرية الإغريقية فيما يخص الجسيمات، لنعرض تلك القضية رُب حل لسؤالنا بها.

عندما إفترض الذريون بالعصر الأغريقي أن الكون به أربعة جسيمات أساسية هي النار و الهواء و الماء و التراب -بعضهم قال بـ ثلاثة-، إندفع السوفسطائيون لمهاجمة تلك الفكرة بالقول أن فكرة ذرية المادة الملموسة و تكونها من أربعة جسيمات أساسية، تدفع للقول أن تلك الجسيمات أيضاً لابد لها من أن تتكون من شيء ما، ثم أن يتكون هذا الشيء من أشياء أخرى أصغر، هكذا بلا نهاية، مما يجعل كل نقطة تحتوي عدد لا نهائي من الجسيمات، و هو ما يتطلب بالتالي زمن لا نهائي للإنتقال من نقطة إلى أخرى بسبب وجود عدد لا نهائي من الجسيمات بينهما، و الذي هو بالتالي غير صحيح لأن الإنتقال ممكن، فـ ظنوا بهذا أنهم قضوا على فكرة الذرية، لكن أتى رد الذريين عليهم أن تلك الجسيمات الأربعة هي جسيمات لا مادية، و لا تنقسم لأجسام أصغر منها، و هو ما نعرف اليوم أنه صحيح بالنسبة للجسيمات تحت الذرية فـ التقسيم يتوقف عند حد معين و يفسر الجسيم ذاته.

لذا فـ عند الحديث عن الأسباب المتتالية للوجود، من إنفجار عظيم و إفتراضات تسبقه و .. إلخ، لابد أن نصل لنقطة هي كـ الجسيمات الأساسية للمادة، لا تتكون من شيء، أي لم يسببها شيء، كما أنها تفسر نفسها، بمعنى هي السبب و النتيجة معاً بجوهر واحد، هذا الجوهر هو الله كـ خالق، و كما نرى مثل هذا الجوهر هو ضرورة، و أؤكد على كلمة ضرورة، فإفتراض عدم وجود بداية يعني بالتالي إفتراض عدم وجودنا، لكن بما أنه من المسلم به وجود الوجود، فـ الجوهر الأولي ضرورة، و هو بالتالي ما نضع له أسم الله.

لكن ليكون هذا الجوهر هو الله كما بالبداية يجب أن يكون متحكم كذلك و ليس خالق فقط، ببساطة نجد أن الجوهر الذي أنبثقت منه النتيجة الأولى، التي كانت بالتالي سبباً في نتيجة تالية، و التي بدورها كانت سبباً لنتيجة تليها، هو جوهر مدرك للوجود ككل، كنتائج متتابعة لوجوده كـ سبب، مما يجعله المحرك الأساسي للوجود، جوهر يحوي العلة و المعلول، مدرك بهذا للوجود، و هو ما نطلق عليه ببساطة، الله.

Advertisements

4 تعليقات to “الله، السبب و النتيجة.”

  1. لون التوت Says:

    أؤمن بذلك أيضا…
    الله سبحانه وتعالى هو المطلق الوحيد…وغيره يتغير ويتشكل ويتنوع ويبقى ناقصا لأنه مخلوق

    استطراد على جنب>>>
    يغيظني جدا من يقرنون بين الله عز وجل وبين الشيطان على ان الله هو أصل الخير والشيطان هو المقابل له وهو أصل الشر…
    اعتقد انه من الغباء ومن سوء الادب مع الله ان نقول ذلك….فمن الذي خلق الشيطان بالأساس؟

    فكرة أظنها تشبه ماتتحدث عنه:)

  2. FAR...CRY Says:

    في الحقيقة تلك القضية، قضية الخير و الشر، إحدى القضايا الكلامية التي دفعت المعتزلة للترفيع من شأن الله عن أن يخلق شيء مثل الشر، مما يتطلب بالتالي أن يكون هناك شيء آخر سيء هو الذي لا يمانع خلق الشر، و هنا يكون الخطأ، فالله خلق الخير و الشر، الحب و الحقد، خلق الأشياء بجيدها و سيئها، و لا يقلل هذا من الترفيع من شأنه على الإطلاق.

  3. لون التوت Says:

    بالضبط…كما أن عدم ثبات المخلوقات وتغيرها يعني ان الشر ليس دائما شر بما نفهمه وندركه
    ولا الخير أيضا…مثلا عندما تخسر صديقا عزيزا على قلبك قد تظن في البداية أن هذا الأمر شر محض وانه ماكان يجب ان تخسر هذا الشخص…لكن في الواقع ومع مرور الايام قد تدرك أن ما حصل فيه “رحمة” و “خير” لم تكن تراه في البداية…وأيضا عندما تصبح غنيا قد يكون الظاهر انك أسعد الناس بينما قد ينطوي الامر على الكثير من الإبتلاءات..

    بمعنى آخر كون ان الشيطان مخلوق حمل على عاتقه نشر الشر”إن صح التعبير” فلا يعني أنه مطلق وان شره بلا حدود…الشيطان نفسه مؤمن بالله…بمعنى أنه يدرك وجود الله ولايملك ان ينكره لأنه كان بحضرة الله عز وجل عند خلق آدم…كما أنه دعا الله وحلف بالله “فبعزتك لأغوينهم أجمعين” أو كما قال سبحانه وتعالى على لسان إبليس…كما أنه يأتي يوم القيامة ليتبرأ من أتباعه ويتذكر حينها فقط أن عذاب الله شديد !!!
    {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكْفُر فلما كَفَرَ قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين }

    ومثلها مثل أي قضية أخرى…الله هو السبب والنتيجة لاتملك أن تخرج عن إرادة الله ومشيئته..

  4. عاصم Says:

    (هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شيء عليم ) سورة الحديد آية 3

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s