القدر VS الحرية.


أذكر بصغري قلم و كتابة للقضية التالية على وجه مهتريء لورقة،..
إن كان الله عالم بكل شيء، فهذا يتطلب أن تكون تلك أفعالنا محددة قبل وقوعها، مما يلغي وجود حرية للإنسان، كما يلغي قدرة الله على فعل شيء جديد لم يكن مخطط له مسبقاً، لكن الله قادر على كل شيء، قادر على الفعل بدون أن يُحدد هذا الفعل بإطار علمه، لكن هذا بالتالي يلغي علم الله بكل شيء على حساب قدرته على فعل كل شيء !، و إن كان نفي العلم يضع حرية الإنسان بالصورة لكن، لا علم شامل لله بها !.
أرهقت ذهني فيها أياماً بلا إجابة، حتى أني أذكر مناقشة والدي بها و بكائي أن لا حل لتلك الدائرة، علم الله، و قدرته، لم تفيدني مناقشة والدي لكن بعد عدة أيام قرأت مقال عن ظاهرة تدعى الإرتباط التراكمي، أعطى فيه الكاتب عدة أمثلة كـ مقدمة لـ أشياء تماماً غير منطقية بمقاييسنا البشرية، لكنها تحدث، أذكر خصوصاً مثاله الخاص بأن قذف إلكترون واحد على سطح به ثقبين يجعل الألكترون يُرصد ماراً من الثقبين، و بنفس الوقت !.
بالرغم من الصلة البعيدة بين هذا و موضوع القدر، إلا أني وجدته حلاً للقضية، أننا البشر نرى المسألة ما بين يمر من هذا أو ذاك، موجود أو غير موجود، ميت أو غير ميت، لكن يبدو أن إختيار أوسط حقيقي، بالرغم من إستحالته بالمنطق البشري، علم شامل و قدرة، حرية و قدر، بصغري بدا لي هذا الحل مُرضي جداً، لكن، إدراك أن القياس فاسد كان حتمي، و إن كنت أظل أستخدم تلك العلة لنفسي من حين لآخر حتى أجد غيرها.



ربما يكون الحل الذي قدمته لنفسي صحيحاً، لكن صحته غير مؤكدة في ظل قياس كـ هذا، لذا أرتأيت تعمق أكثر في القضية، لا من جانب ديني، لكن يبقى الواقع أن أكثر من تحدثوا بها هم فلاسفة و فرق الإسلام، ما بين الجهمية، القدرية و السلفية، و هو ما سأعرضه كـ آراء صرفة بدون ذكر ما يسندها من أدلة قرآنية كي لا يتسع الجدل.


نشأت الجبرية بالأساس في العصر الأموي – و إن كان لها ظهور بسيط سابقاً – كـ أيديلوجية من الأمويين لإسكات الناس و صرفهم على ولاتهم، فـ قدموا الجبرية كـ تعليل لأسلوب وصولهم إلى الحكم، فلا يحدث شيء إلا هو إرادة الله، و إنتشرت تلك “العقيدة” كـ النار في الهشيم لتصبح أكثر من مجرد تفسير سياسي، فـ ألتقطها الجهم لينشيء بها الفرقة الجهمية، و أتخذ من آيات القرآن ما يدعم موقفه و يضحد غيرها بأنها من المتشابه، فأفعال الإنسان جميعاً بنظرهم تحدث جبراً سواء معصية كانت أو خيراً، كما قالت الصوفية أيضاً بالجبرية و إن إختلفت الدوافع عن الجهمية، و أضفوا عليها لمسة أخلاقية لا تتوافق و الجبرية.


نشأت القدرية بالعصر الأموي أيضاً، و إن كانت قد تم محاربتها بإعتبارها حركة مرتدة، و هذا لأنها تنفي القدر عن الله، فـ لا تحديد مسبق للأفعال و إنما هي من صنع اللحظة، أي أن الإنسان يخلق قدر نفسه، إلا أن المعتزلة هم أصحاب الحق الأكبر في هذا الرأي على أنهم لم يكونوا عشوائيين بدراستهم لتلك القضية، كما لم يكونوا بنفس تشدد القدرية للحرية، و إنما نشأ عندهم هذا القول كـ رد لأفعال الجهمية من إرتكاب للآثام و تحميلها على الله، فـ كان هدفهم إثبات المسؤولية على الإنسان من خلال حريته، و كذلك لتنزيه ذات الله عن كل شر قد يفعله إنسان، أي الإنسان هو خالق الشر لا الله.


أما السلفية فقد قدمت حلاً يبدو أوسط و إن كنت أجده شخصياً جبرية متنكرة، و كذلك فعل الأشاعرة و الماتريدية، و إن كان الحل مختلف فـ الأشاعرة و الماتريدية قالوا بالكسب، و عرفوا الكسب بأنه فعل الإنسان الذي بدون إرادة الله لا يكون، و يضربون مثلاً لهذا حجر كبير لا يقدر إنسان على رفعه، بينما يقدر آخر، لكن إن رفعاه معاً فـ لا يُعتبر الإنسان الأول غير باذل للجهد، كذلك الله و الإنسان، الله قادر على الفعل بمفرده لكن هذا لا يُخرج الإنسان عن الفعل، أما السلفية فـ قالوا بوجود أربع مستويات للقدر هي العلم و الكتابة و الإرادة و الخلق، و أن أفعال البشر هي بالمستوى الأخير، و هم مسؤولين عن أفعالهم لأنها تأتي من إرادة، و الإرادة نابعة عن إستطاعة على الفعل، لكن تفسيرهم هذا يبدو ضياع أكثر منه تفسير حقيقي.


و بعد كل هذا أجدني أميل لإفتراض إمكان إجتماع المتناقضات في مستوى أعمق من الواقع عن الأخذ بتفسير جبرية مطلقة، أو حرية مطلقة، أو جبرية متنكرة.

Advertisements

6 تعليقات to “القدر VS الحرية.”

  1. الجدة بـدر .. Says:

    السلام عليكم ..

    لا أدري إن كان هذا سيفيدك أم لا ..
    لكنه أفادني ..

    http://www.eltwhed.com/vb/showthread.php?t=13799

    هذا موضوع اسمه ” خواطر حول صفات الله في الاسلام .. ” .. من منتدى التوحيد .. وهو يتحدث تقريبا عن نفس الموضوع ..
    .
    .

    أما تعليقي أنا .. فـ ..
    أدركت أن كل الأسئلة لها إجابات .. وكلها أجدها ..
    إن بحثت بطريقة صحيحة .. في مكان صحيح ..
    ومن بينهم مكان أكون فيه وحدي ..

    لكن المشكلة .. أن تحقيق هذا صعب .. وسهل في نفس الوقت ..
    لذا اعتبرت هذا نفسه دليل لي .. إن وجدته عرفت أنه الحق ..

    فـ ماديا فقط لن أستطيع التأكد من أي شيء .. مطلقا .. إلا بعد الموت .. ,
    ولكن .. هذا نفسه شيء يجعلني متأكدة تماما من حق هو الأصل .. ومن بعده يتضح كل شيء بلا مجهود .. !

    وعلى ضوئه أقترب قليلا من موقف سيدنا إبراهيم عندما قال ” أسلمت ” ..

    أمــر محير .. لكنه …… , لن أستطيع التعبير …

    ,
    لا يعني هذا أن أظل جاهلة .. لكن أيضا .. لا يعني أن أحمل عقلي ما هو غير قادر على فعله في الوقت الحالي .. أو تحمله .. , لكنه يعني ألا أظل أفكر فقط …

    ^^

  2. FAR...CRY Says:

    و عليكم السلام =).
    قرأت من الموضوع ما يكفي، طبعاً كـ كثير لم يستطيعون منع أنفسهم عن إدخال النقاش الفكري بالمهاجمة الشخصية، لكن ليست تلك نقطتنا.
    فقط ما يهم “علم الله الأزلي بما سيختاره الإنسان صفة تكشف عما سيختاره العبد ولا تجبره على غير ما يرغب فيه من اختيار ، فالعلم هنا يتبع المعلوم ويكشف عنه كما هو “، و تلك الجملة تعبر بإختصار عن رأي السلف في تلك القضية.
    كما ذكرت، رأي السلف يبدو ضياع أكثر منه إجابة، كـ حديث معقد حين سماعه لنهايته تنسي بدايته فنظنه صحيح، فـ كما ذُكر بالإقتباس السابق أن علم الله هو علم بما سيختاره الإنسان بدون إجبار على هذا الإختيار بالذات، لكن بهذا بعض التناقض فـ ليكون هذا العلم غير مجبر يجب أن يحوي على الأقل نسبة شك، لكن إن كان هذا العلم مؤكد كما هو الحال بالواقع فـ لا مجال للإختيار هنا، يبدو مشابه جداً لنظرية الكسب بدون وضع نفس العنوان.
    لا يعني كلامي أني أرى الجبر حلاً فـ من المؤكد كذلك أن للإنسان إرادة و حرية في الإختيار، هو فقط شيء غير منطقي بمقاييس بشرية.
    لذا كما تعليقكِ، من الأفضل ترك تلك القضية لأنها من أشياء عدة لا قادر عقلنا على فهمها، فقط لعقل مثل عقلي لا يصمت بسهولة أقول بإمكان إجتماع المتناقضات كما يثبت العلم كل يوم.

  3. vamprita Says:

    ذكرتني بنفسي حين كنت صغيرة أيام الابتدائي ..
    موضوع القدر كان يقلقني كثيييرا ..
    كنت دائما أجلس مع نفسي ، فأرفع يدي فجأة ، وأقول هل كانت هذه الحركة المفاجئة مقدرة ؟ و مكتوبة ؟ ثم أفكر أنني كنت قريبة من أن لا أرفع يدي أي أن الحركة المعاكسة لم تكن مكتوبة ، فأقول تبا لم لم أختار خيار عدم رفع اليد .. فأقول لو لم أرفعها لكان ذلك الخيار هو المكتوب ، اذن فالمكتوب لا يكون مكتوبا الا بعد أن نختاره ؟؟
    فأتوه في هذه الدوامة .. كنت كثيرا ما أبدأ بالبكاء لأنني كنت أخاف من أن لا أكون مؤمنة ذلك كون الايمان بالقدر ركن من اركان الايمان ، وأحس أن عقلي يكاد ينفجر لأنه استعصى عليه فهم هذه المعضلة
    كانت حالة والله خخخخ
    تناقشت مع أمي تلك الأيام حول هذا ، واجابتها لا زلت اتذكرها حتى الان ، قالت لي : لو انتي استاذة في الفصل و تعرفين تلامذتك جيدا طول السنة الدراسية ، أكيد أنك ستعرفين من سينجح ومن لا ؟ علمك هذا هل يؤثر في نجاحهم ؟ لا

    قالت لي : كذلك الأمر بالنسبة للقدر ، فالله يعلم عباده جيدا هو “يعلم” ، فقط الفرق أن الله هو الإلــه ، أما نحن فبشر ، أسقطي حالة علم الاستاذ بتلامذته على حالة علم الله بعباده _ وتعالى الله عن هذا التشبيه انما هو فقط لتقريب الصورة _ ثم أضيفي اليها خصائص الالوهية التي تقتضي أن علمه عز وجل لا يمكن أن يخطئ ، كيف ذلك ؟ حسبه عقلك أن يعي بهذه النقطة وهي أنه لا يمكن أن يدرك كيف لا يخطئ الله في توقعه ..

    كانت اجابة شافية لي ،، أراحتني لمدة طويلة ^^

  4. FAR...CRY Says:

    حالتكِ بصغركِ تشبه حالتي بصغري أيضاً، إرهاق المخ الصغير و البكاء و كل تلك الحيرة =P
    إن سمحتي لي أود نقد إجابة والدتكِ، فـ كما ترين إجابة والدتكِ مقنعة جداً، هي بالحقيقة الصيغة المبسطة من رأي الإتجاه السلفي بخصوص تلك القضية، أي أن علم الله بعباده لا يلغي إرادتهم، لكن نقدي هو كالتالي : فإن علم الله بعباده مصاحب بخلق الله لهم، و إن كان علم بلا خلق لصحت الإجابة تماماً، لكن لأنه علم و خلق من ذات الرب فـ يبقى هناك جبراً نظراً لأن الله خلقنا على هذا الحال، فمثلاً هناك كافر بالله، و الله يعلم قبل خلق آدم حتى و منذ الأبد أن هذا الشخص تحديداً سيكون كافر، و إلى هنا تصح الإجابة، و لكن الله هو من خلقه على حال و بظروف تتطلب بالضرورة أن يكون هذا الشخص كافراً، كصانع لعبة يعلم تماماً معاد إنكسارها، لأنه ببساطة من صنعها على هذا الحال و علمه يجعلها مجبرة لأنه صانعها، بينما لا يجعلها مجبرة إن لم يكن صانعها، مع الفرق الشاسع طبعاً بين ذات الله و ذات البشر.

    في الحقيقة بعد كتابتي لهذا المقال هنا بعدة شهور توسعت بفرع من فروع علم الكونيات المختلط بالفيزياء الكمومية وجدت به إشارات قوية على ماهية القدر و الحرية، و هي ماهية مشابهة كثيراً لما أقترحته هنا من إمكان جمع المتناقضات، لكنها أكثر تعقيداً، أقوم حالياً بدراستها و معالجتها بالإضافة إلى توسيع معرفتي بهذا الفرع قبل أن أطرح ما وجدته للتأكد من إمكانية صحته.

    تفضلتي بذكر أن إجابة والدتكِ “كانت اجابة شافية لي ،، أراحتني لمدة طويلة ^^”، أسمحي لي بسؤالكِ، كانت و ما زالت أم أن راحتكِ توقفت ؟، أعني بتجاهل نقدي هنا.

    أتمنى لكِ كل خير.

  5. Aisha Shokry Says:

    حلوة المقالة والمدونة عموما.. تعرفت عليها قريبا!
    إجابة هذا الموضوع طبعا التي أراحتني:
    أن الإنسان مخير فيما يعلم، مسير فيما لا يعلم
    لذلك حدود الاختيار هي حدود العلم.. ما لا نراه، نعلمه لا نستطيع أن نختاره أو لا نختاره
    طبعا بعمل زووم عريض، نعلم أننا لا نعلم سوى اختيارات بسيطة، ربما تتناقض تماما مع مانراه في الصورة الأكبر
    وشكرا

  6. FAR...CRY Says:

    دائماً يسعدني إكتشاف الراقيين لمدونتي، عائشة.

    هذا المقال هنا كتبته منذ أكثر من عامين، و خلال هذين العامين زادت معرفتي بشكل معقول حمداً لله، فتشكلت آرائي أكثر و أصبحت أوضح، لذا ما هو مكتوب بتلك المقالة لا يمثل سوى بذرة أولى لآرائي التي تطورت كثيراً فيما بعد هذا، أدعوكِ لقراءة سلسلة مقالات العقل و سلسلة مقالات الإسلام لكي تري الصورة الأحدث لآرائي تلك، كلا السلسلتين ستجديهما في قسم : أشياء ملعونة. بالصفحة الأولى و الثانية منه.

    لكِ شكري و إحترامي (f)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: