الوعي، هذا العالم الآخر.


الوعي – كما تعرفه موسوعة ويكيبديا – هو حالة عقلية يكون فيها العقل بحالة إدراك وعلى تواصل مباشر مع محيطه الخارجي عن طريق منافذ الوعي التي تتمثل عادة بحواس الإنسان الخمس، هذا التعريف ينم عن جهلنا بأمر نمارسه بشكل شبه دائم، فـ نحن نجيد إستخدام الوعي لدراسة الوجود من حولنا، لكننا نكاد لا نعلم شيئاً عن كيفية حدوثه، و بالرغم من أن علم الأعصاب يقدم وصفاً دقيقاً للعمليات العصبية بالمخ إلا أن ما يقدمه لا يشير بأية حال لضرورة وجود وعي من مثل تلك العمليات، فـ حين ترى زهرة مثلاً، ما يحدث هو أن سيل من الفوتونات ينعكس عن سطح الوردة بعد إمتصاص الوردة لعدة أطوال موجية منه عاكسة فقط طول موجي معين، و تصدم الفوتونات ذات هذا الطول الموجي شبكية العين التي بدورها ترسل إشارات كهربية تختلف تبعاً للطول الموجي، و تمر تلك الإشارات بعدة مناطق بالمخ فـ تُترجم على أنها زهرة حمراء، و لكن كيف ينشأ وعي من تلك التجارب و الإنطباعات التي تمر بالمخ.


هذا السؤال الأخير ينقسم لعدة مستويات فـ بداية بالمستويات التي يمكن حلها بعلوم كـ علم النفس و الأعصاب و يبدو هذا الحل قريباً بالأفق مثل كيفية تحقيق المخ للتكامل بين مصادر المعلومات الحسية المختلفة، و كيف نعبر بالكلمات عن شعورنا الداخلي، و مستويات تتعلق بسبب و كيفية إمتلاكنا لعقول تدرك ذاتها، و كذلك طبيعة الخبرة الذاتية حول الموضوعات الفيزيائية مثل الألوان مثلاً، و هي مستويات قد تتطلب علماً جديداً و إن كان علم الأعصاب يعطي تلميحات لقدرته على حلها، فـ مثلاً قدرتنا على إدراك و تمييز الوجوه يبدو أنها ليست قدرة عقلية بل هي قدرة تقوم بها خلايا بالقشرة المخية، فـ بعد أن ترسل شبكية العين الإشارات الكهربية تقوم تلك الخلايا بتمييز الوجه و التعرف عليه، و بالرغم من عدم معرفتنا لكيفية حدوث هذا التعرف بعد لكن تمت ملاحظة أن تلك الخلايا حين تفسد تتوقف قدرة الإنسان على تمييز الوجوه، لكن تبقى قدرته على معرفة أنها وجوه.


و بشكل عام يبدو أن الإنطباعات و الخبرات الذاتية المعبر عنها بشكل حركي عبر الكلمات مثلاً ترتبط بشكل شبه مباشر مع الخلايا المسؤولة عن تكوين الخبرات بالقشرة المخية، و لهذا فإن نقل تلك الخبرات الذاتية يستحيل في حالة كان من نحاول نقلها له لم تمارس خلايا قشرته المخية معالجة معلومات الخبرة التي نحاول نقلها، بل أنه يستحيل نقلها حتى لشخص يملك نفس الخبرة الذاتية، و ما نفعله بشكل تلقائي هو مقارنة بين خبرتنا الحسية الذاتية و علاقتها بالخبرات الأخرى، مما يمكن الأشخاص الآخرين من فهم تلك المقارنة و معرفة عما نتحدث فقط في حالة مرورهم بذات الخبرة أو الخبرات، أما عن الوعي ذاته فـ يعتقد علماء الأعصاب أنه ربما يكون مجرد شبكة بين خلايا مكسبة لخبرات ذاتية مختلفة، فوجود مثل تلك الشبكة قد يحل أو في الحقيقة يفكك مشكلة وجود الوعي حيث يكون الوعي هو تواصل أنواع الخلايا المختلفة بالقشرة المخية بين المسؤولة عن اللون و المسؤولة عن الرائحة و غيرهم مما يؤدي لتكوين شيء مشابه للوعي، و لكني أجد أن علم الأعصاب غير قادر على تفسير الوعي بالرغم من وجود صلة كبيرة بين الخبرات و خلايا القشرة المخية نظراً لأن تلك الصلة هي ذاتها ما نبحث عن تفسيره، و تفسير الشبكة لا يقدم تفسيراً لتلك الصلة بل فقط يستخدمها.


تفسير تلك الصلة لا يصعب على علم الأعصاب فقط، بل يصعب على جميع مناهج العلوم المعروفة لنا، فـ جميع النظريات الموجودة مبنية على علوم تقوم بتحليل البنية لشرحها، و لهذا تبقى كيانات أساسية مثل الزمن أو الكتلة * بعيدة عن الفهم لإعتماد العلوم منهج التحليل في حين كونها أساساً كيانات أساسية لا تُحلل، و على ما يبدو أن الصلة بين القشرة المخية و الخبرات، و من ثم الصلة المنتجة للوعي هي أحد تلك الأفكار التي لا تُحلل فيزيائياً، و بالرغم من قوة المنهج العلمي الحالي إلا أننا قد نحتاج لعلم من نمط آخر لدراسة و فهم تلك الصلة، و وضع قوانينه و منهجه البحثي الخاص، و من ثم يكون عالمنا ذو مكونان، العالم الفيزيائي الخارجي و عالم الوعي، و الصلة بينهما تحدث بأمخاخنا باللحظة التي تترجم بها تلك الأحرف مثلاً إلى إدراك.


* حين تطبيق الـ Super Symmetry على النموذج المعياري للجسيمات تحت الذرية تم إكتشاف أنه يجب أن توجد جسيمات لحقل يسمى حقل Higgs، تلك الجسيمات هي المسؤولة عن صفة الكتلة، لكن لم يتم العثور على آثار لها بمسرعات الجسيمات حتى الأن.

Advertisements

2 تعليقان to “الوعي، هذا العالم الآخر.”

  1. الجدة بــدر .. Says:

    لم أقرأ بعد ..
    .
    .

    لكني أردت أن أعلق على هذا الموضوع بالذات !
    ربما ..
    في الأيام الماضية كنت فرحة جدا لأني سـ أبدأ مشواري بدراسة علم النفس ..
    بينما جعلتني أول سطور من هذا المقال أشعر بثقل لنفس الفكرة ..

    لا عليك فقط .. بعض الجنون لابد معي ..
    سـ أعود للقراءة بالتأكيد ..
    وبالمرة لأكتب سؤالي بخصوص ” الكون الأنيق ” .. , للأسف سـ تتعب معي …

  2. FAR...CRY Says:

    واثق أنا من وجود نجاح ينتظركِ بدراسة علم النفس، فـ بالنهاية هذا من أكثر العلوم التي تثير إهتمامكِ، لا يُعتبر هذا المقال مقياساً حقاً، لا أقول أن علم النفس سيكون سهلاً، لكن من أحب علماً أستسهله.
    أنهيت قراءة الكون الأنيق منذ فترة، و بدأت بقراءة كتاب مكمل له يُسمى The Fabric of Cosmos، الكتاب يتحدث عن المفاهيم الأساسية خاصة المكان و الزمان، لكن توقفت ببدايات الفصل الخاص بالزمان لإنشغالي بدراسة تصميم المواقع، مم بإختصار بإذن الله سأستطيع إجابة سؤالك و سأحب إجابته.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: