الزمن : 1. نهر أم رغيف خبز !


الزمن، الزمن و الزمن، ثلاث كلمات متشابهة، لكنك تدرك كما أدرك أنا إختلافاً جوهرياً خلف هذا التشابه، حتى بإفتراض وجود تلك الكلمات الواحدة فوق الأخرى كي لا يوجد إختلاف بأماكنهم، سيبقى هناك إدراكاً بوجود إختلاف جوهري من نوع آخر، فكل كلمة أخذت وقتاً معين لحدوث قراءتك لها، لحظات قليلة مرت منذ كلمة الزمن الأولى و الأخيرة، زمن مر، الزمن ذاته الذي تقيس مروره ساعتك، سنين عمرك، و جميع الأحداث بهذا الكون، نقول أنه يطير، أنه من ذهب، و نحاول الحفاظ عليه، و منذ أقدم العصور أفترضنا أن الزمن هو ببساطة أشبه بنهر، يسري بإتجاه واحد لا يمكن تغييره، لكن هل هو ؟.



حين ظهرت نظرية النسبية الخاصة تم إثبات أن الزمن إن كان نهراً فـ هو بالتأكيد لا ينساب بالسرعة ذاتها لكل من يدركونه، فحين أقيس ساعتين على ساعتي قد تقيس أنت ساعة واحدة فقط، و لا أتحدث هنا عن نسبية الآراء أو خطأ بالساعات بل هو مستوى أعمق من الواقع، تمر عليك ساعة، تكبر خلاياك ساعة، بينما تكبر خلاياي ساعتين، تلك الإختلافات في مقادير الوقت المقاسة تحدث كنتيجة لسرعة تحركك بالنسبة لي، و لهذا لا نلاحظ الإختلافات اليومية البسيطة في الوقت المقاس لأن حتى أسرع المركبات التي تم إختراعها لا تحدث إلا إختلاف شديد الصغر، لكن إن كانت سرعة تحركك بالنسبة لي تقارب سرعة الضوء فإن إختلاف سرعة نهر الزمن و مروره بيننا سيكون شاسعاً.


لكن حتى بإختلاف سرعة إنسياب الزمن إلا أن هذا يعني أنه فعلاً ينساب، هذا ما تؤكده خبرتنا اليومية بكل لحظة، هناك فرق واضح بين الماضي الجامد و المستقبل الممكن تغييره، لذا نعم يبدو أن الزمن نهر، أو كمشاهد متتابعة على شرائح أو أطر سينمائية يمر عليها ضوء ما جاعلاً من كل شريحة هي الأن للحظة، ثم تصبح من الماضي و تصبح شريحة أخرى هي الأن، لكن مهما حاول العلماء لم يتم إيجاد دليل على مثل هذا الضوء أو الشرائح المتحركة، بل على النقيض فإن كل الدلائل تشير أن الزمن هو أشبه بقطعة خبز، يحوي كل الشرائح و المشاهد بكل لحظة، و إن كانت كل شريحة تمثل أقل قدر من الزمن ممثل في “الأن” فوجود تلك الشرائح المفردة غير حقيقي، بل هو رغيف خبز واحد كبير.


ربما تتسائل و ما الفرق، و للإجابة عن تساؤلك نضع أولاً تعريفاً للواقع، و الواقع هو كل ما هو موجود، و بوضع إعتبار الزمن في حسابنا يكون الواقع هو كل ما هو موجود الأن، كل ما يحدث الأن هو الواقع الموجود، لذا فكل من مات غير موجود الأن، كما أن كل من سيولد في عام 3000 أيضاً غير موجود الأن، هكذا نقوم جميعنا بتعريف الواقع، لذا فقائمة الأحداث الواقعية الأن بالنسبة لي يجب أن تكون مطابقة تماماً لقائمة الأحداث الواقعية الأن بالنسبة لك، لكن النسبية الخاصة تؤكد أمراً مختلفاً، فحين تكون أنت متحركاً بالنسبة لي فإن سرعة تحركك تؤثر على شريحة الأن الخاصة بك، فتقطع رغيف الزمن بشرائح مائلة على الشرائح خاصتي، و يصبح بعض مما أعتبره ماضي و بعض مما أعتبره مستقبل هو الأن بالنسبة لك، تماماً كما يمكننا قطع رغيف الخبز بزوايا مختلفة، لنأخذ مثالاً لمزيد من التوضيح :


بعد أن إكتشفت سارة خيانة زوجها محمد لها قررت أن تبتعد قدر ما تستطيع، فغالت قليلاً و ذهبت للإقامة في غرفة تبعد 10 بلايين سنة ضوئية عن غرفة محمد، و بين كل آن و آخر تنظر لتجد محمد ما زال يقرأ هذا المقال، لذا فقائمة الأن الخاصة بها تطابق قائمة الأن الخاصة بمحمد بسبب ثبات الحجرتين، ضايقتها لا مبالاة محمد فقررت الإبتعاد أكثر، فبدأت بالسير بعيداً عنه بسرعة 16 كم بالساعة بالنسبة له، و خلال سيرها نظرت مرة أخرى إلى محمد، فلم تجده !، بل وجدت نفسها تنظر إلى إلقاء خطاب سياسي مر عليه 150 سنة بالنسبة لمحمد، أي أن قائمة الأن لها أصبحت تشمل ما هو ماضي بالنسبة لمحمد، فلم تشمل قائمة الأن لها ولادة محمد فضلاً عن وجوده، فقلقت عليه و تجاهلت غضبها فأسرعت بركوب أول طائرة كونكورد متجهة إلى غرفة محمد، و خلال سفر الطائرة بسرعة 1600 كم بالساعة بالنسبة لمحمد و بإتجاهه نظرت مرة أخرى للغرفة علها تجده، فوجدت نفسها تنظر إلى ولادة طفل تبعد 15000 سنة بالمستقبل بالنسبة لمحمد، ولادة طفل تعتبر بالنسبة لمحمد أمر مستقبلي غير مقرر حدوثه تماماً، في حين تصبح بعد لحظات جزء من الماضي بالنسبة لسارة.


ما حدث مع سارة راجع لأن سرعتها النسبية مع محمد تجعل بين شريحة الأن الخاصة بها و شريحة الأن الخاصة بمحمد زاوية تتناسب طردياً مع السرعة، و بتجميع قائمة الأن الخاصة بسارة و قوائم الأن الخاصة بكل ما بالكون يتكون عندنا رغيف خبز الزمن، الذي يحوي كل الماضي و كل المستقبل، لذا فالزمن ليس شرائح مفردة بعضها وُجد و ذهب و بعضها ما زال لم يوجد، بل هو كالفضاء، و كما أن الفضاء موجود كله الأن، بيمينه و يساره، بأعلاه و أسفله، فإن الزمن موجود كله الأن، بماضيه و مستقبله، بكل أحداثه الممكنة، و ما التفريق بين الماضي و الحاضر و المستقبل الذي نفعله إلا وهم، فشرائح الزمن غير حقيقية، بينما الزمن بأكمله حقيقي، أي أن الأحداث جميعاً موجودة مهما كان عام حدوثها، و الزمن لا ينساب و الأحداث لا تتحرك، بل كل شيء جامد يأخذ نقطة معينة في رغيف الزمن هذا، لذا فأنت الذي كان منذ بضعة دقائق يقرأ ببداية هذا المقال ما زال موجود، و أنا الذي كان يحتفل بعيد ميلاده السابع ما زال موجوداً، يحتفل به إلى الأبد.


إذاً ما هو هذا الشعور بسريان الزمن ؟ جميعنا ندرك أننا لسنا مثبتين في لقطة ما إلى الأبد بل نمر بلقطات مختلفة، و يبدو أن هذا راجع إلى الوعي، فيبدو أن الوعي هو الضوء السينمائي الذي يضيء لقطة تلو الأخرى، و لهذا فـ بدون الوعي نحن فقط ثابتين في شريحة، إطار سينمائي واحد، لا ندرك مرور الزمن و لا التغيير، إن فكرت قليلاً بتلك النتيجة تجد أنه من غير الضروري وجود شرائح سابقة للشريحة الحالية الأن، فإن كانت شريحة الثانية التي مرت و ما سبقها لا تحويك، ثم الشريحة الحالية تحويك، فأنت لم توجد مسبقاً إطلاقاً، لكنك ستملك ذكريات عن حياة و أحداث لم تمر بها فعلاً، هي فقط موجودة بذاكرتك كجزء منك على تلك الشريحة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: