المدينة الفارغة : الفصل الأخير

1. ستارة الذاكرة، و أشياء


– هل تفتقدني ؟
– نعم


البحر يعدو إلى الخلف، و الضباب ثابت، و جميع تلك الخيالات البشرية، الإنتظار، الرضا، الضيق، السعادة، و كل أفعال الوجوه الأخرى، أيضاً تعدو، إلى الخلف، هكذا العالم حين أسندت رأسي على الزجاج، زجاج السيارة، بالكاد أعلم من أنا، بالكاد أحاول أن أعلم، فقط كل هذه، كل هذه الرمال تدفعني لتذكر محدد جداً، تذكر يتخذ شكل ورقة، لا، بل حلم على ورقة، حلم على ورقة ترحل بها الرياح، خلال ثلاث سنين إلى اليوم، نعم، أفتقدكِ، نعم، أنتظركِ، و أعلم أنكِ لن، و فقط يذبل الزهر في يد هذا المعطف تحت مطر، و حين كل هذا ينساب من شرود عيني، رفعت رأسي عن الزجاج، توقفت، ترجلت، هذا النسيم، رائحة الهواء تلك، أشمها مليء صدري، تلك المدينة لم تتغير قط، فقط تغيرت عيوننا، أنوفنا و جلد أصابعنا، فعلاً، ما لا نغيره، ينتهي به الحال بتغييرنا، و أتجهت إلى الشاطيء،..


2. حين لم يكن الزمن يمضي


جلست، لم تكن الأفعال تعدو، لكن بقت الخيالات برأسي تدور، الضباب أمامي يصنع لوحة خالية من أفق، من شمس و الأمواج تكاد أن تنعدم، خيالات من نوع مختلف الأن، لا أستطيع الرسم، لكنني دائماً أجدت رسم مشهد واحد، كراستي بكل صفحاتها تحكيه بمائة تفصيل مختلف، دائماً كان هناك طيور، تحلق بعيداً بالسماء، دائماً كان هناك دخاناً أبيض يخرج من المدخنة الحجرية، ذات مرة الشمس حين الغروب و مرات أخرى بخجل يبدو خد شروقها، الحديقة لم تنمو أعشابها بجميع الصفحات، لكن السور الخشبي تهدم فقط قليلاً، شجرة فروعها كتشابك روحين و بتلات الزهور الندية لا تحكي إلا نقاء أبيض و شوق وردي، و الممشى الحجري، كما أحببته دائماً، يرشد نظرك مباشرة إلى باب، باب المنزل،..


3. جنية الأسنان


لا تأتينا أبداً جنية الأسنان، فقط لأن ما نعرفه بها كذبة، فجنية الأسنان لا تمتلك أجنحة، لم أكن أعلم، حين أخبرتني عنها و بعينيها ترقب، أنتظرت كثيراً أن تسقط أحد أسناني كي أصبح فارس، لم أعلم أن التنانين، أيضاً، لا تمتلك أجنحة، و لا القصور تفعل و لا الأميرات، قلت : سنبحر على سحابة، قالت : الليل غر، لنحادث النجوم، سألت : و نطلق أرواحنا بكل هذا الفضاء بين صدورنا و قلوب النجوم ؟، أرتجفت من بهجتها هامسة : و ننصت لأغنية طير الليل إلى الفجر، لكن، لم يحضرنا ليل آخر، لم نبحر على سحابة، و لم نجد جنية الأسنان و لا الحكايا، فتحت عيني كثيراً، داعياً كل النسيم البارد لسرقة لمعانها بهدوء، ما زال الأفق خالي من أي شمس، طأطأت و أنا أتذكرني ما بعد الطبيب : ألا نبحر على السحابة ؟، و هي : أنا لست هنا،..


4. الطبيب


– لن ترى ثلاثينك
– حسناً


سأجد الأن أن العالم يتغير إلى الأبد، هل كانت تعلم يقيناً ؟ عرفتني هَرِم، و الأن أقتطع من قشرتي المخية كثيراً لأرمم بها وجهي، هل كانت تعلم يقيناً أنها الساعة ؟، نجحت طويلاً في رقصة الموت، لكن أخيراً أخترقت ساقي رصاصة، و لا أعلم كيف أرتدت عن عظامي لتصيب جسدها، هل كانت تعلم يقيناً أنها ساعة الرحيل ؟، أصابتها رصاصة، رصاصة بدت كأنها تخرج من جسدي، فنعم كانت تفعل، سأرى الأن أن الشمس تتلاشى إلى الأبد، لا تغير التغييرات الأمر دائماً، لكن دائماً توتره و لو قليلاً، و لها أن تدفع تنهداتها إلى سماء و تستدير مبتعدة، و لها أن تقيم جُدراً ثلجية تقصل الأحاديث، و الذي هو كـ هي أن تنظر قليلاً لرقصتي الأخيرة، يا إلهي، فقط أرغب أن أحتوي بضع منها،..


5. حكايا السادسة و ثمان دقائق صباحاً


اكره أن أخبركِ : أحبكِ، اكره أن أخبركِ : أشتقت لكِ، و أنني لا أجيد خياطة قلبي كما تفعلين، و اكره أيضاً إخباركِ : أنفاسي و كل شرود عيني يصيح أنتِ، و ليت ما تركتيه كان فراغاً، و ليت كل الأغنيات لا تتحدث عنكِ، لكنها تفعل، و ما تركتيه، لأنه ليس فراغاً، يفيض من رتق قلبي الذي لن يلتئم، يفيض كل إمتلائي إبتساماتكِ غزيراً، و أفعالكِ الأخرى من لعثمات نبض و حرف ثم مسافة ثم مد و خجل يتوارى بجنبات عيناكِ و فصلات تأتي حيث نهايات أحاديثكِ، سوى بأناملكِ، رتق قلبي، لن يلتئم، سوى بأناملكِ، أذكرت لكِ أنني اكره إخباركِ كل هذا ؟ نعم، أفعل، حين أدفعه أمامكِ و أنتِ لا ترغبين السماع،..


6. تلبستكِ طويلاً


شاهد قبركِ لا يتسع لحديث دمعي، و أنتِ، لا أعرفكِ الأن، أو أنني أفعل، كثيراً، أن أشعر بغباء حديث دمعي كما تشعرين، أن أدرك أساليب واقعكِ في التعامل مع مخلفات بشريتنا، و أن أعلم جيداً أن مشاعر كـ تلك التي فقط تفعل كل شيء بخلاياي، تزدريها، أعرفكِ كثيراً، و ربما كانت كل شهورنا الثلاثة هنا لتقدم لنا رئات جديدة، لكن يا أنتِ، لن بصباحي تشيري : أنت هنا، و لن نعرف أبداً أكانت إنحناءة صحيحة، أم، الأفق البارد، الشمس التي توقفت عن الإشراق، و الأمواج المرهقة إلى حد السكون، أغادر شاطئكِ الأن، أغادر صدركِ إلى حيث لا تسمعين : أحبكِ.

Advertisements

2 تعليقان to “المدينة الفارغة : الفصل الأخير”

  1. shatha Says:

    رائعة قمة في الجمال :)

  2. FAR...CRY Says:

    وجودكِ الأجمل، باقة زهر شذى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: