الأخلاق بين المثالية و التطبيق.


حين حاولت، منذ ما يقرب من سنة، أن أنشيء نظاماً يُحقق مجتمع لا يفسد مع الزمن، أي تطبيق لدولة -أو مدينة- تدعم مجتمع صالح لا يبدأ بالإنهيار في خلال 500 عام -و هو ما أراه معدل بداية الإنهيار الطبيعي للمجتمعات-، واجهت صعوبة أساسية، تلك الصعوبة اليوم تُمثل اليوم أول و أهم القواعد الأخلاقية في نسقي الفكري، و هي ببساطة : أن الإنسان بشكل جوهري معطوب.


تلك القاعدة تأتي من ضرورة، و هي ضرورة تطور المجتمعات كما يتطور فكر الإنسان مثلاً، لكن كلمة تطور هنا إن كانت صحيحة بدرجة ما بخصوص فكر الإنسان، إلا أنها ليست بذات الصحة بالنسبة للمجتمعات، لأن المجتمعات قد تبدأ صالحة و تنتهي فاسدة، أو العكس، لكن الضرورة هي أنه لابد من أن تتغير، المجتمع الصالح ينتشر فيه الفساد بشكل تدريجي، و المجتمع الفاسد ينتشر فيه الصلاح بشكل تدريجي، كدائرة لا تنتهي.


مثل تلك القاعدة تدفع للتساؤل، بظل كون البشرية على هذا الحال، فأين يكون موضع الأخلاق ؟، أو بشكل أدق، هل الأخلاق دراسة لما ينبغي أن يكون، أم دراسة لما هو كائن ؟، إن كانت الأخلاق مجرد دراسة لما هو كائن، للأخلاق الموجودة بدون ذكر ما يجب أن يكون، تُصبح بهذا مُجرد علم وصفي يندرج تحت الأنثربولوجي، إذاً فهي دراسة لما ينبغي أن يكون، لأنها ليست مجرد علم وصفي، لكن بكونها علم معياري، كيف يتم التوافق بين هذا و بين الطبيعة البشرية ؟.


جزء من هذا التساؤل يتمثل في حيز تطبيقها، أيكون فردي أم مجتمعي ؟، نتناوله أولاً ثم نعود للتساؤل الأساسي، أرى أن التطبيق المجتمعي للأخلاق يزيد من الفساد على المدى الزمني البعيد، لكنه يُحسن من المجتمع على المدى الزمني القصير، لسبب واحد، و هو أن العامة لا يمتلكون وعي بذواتهم كما يفعل الخاصة، لذا فأخلاقهم لا تكون نابعة من فكرهم، بل من إتباعهم لنموذج يتمثل في قانون، دين أو عادات متوارثة، و بالرغم من أن مثل هذا النموذج يبقيهم في إطاره إلى درجة ما، لكن عيب إتباع نموذج هو أنهم لا يرون ضرورة قوية في التمسك به، فهو بالنهاية غير نابع عن وعيهم، و بالتالي على المدى الزمني البعيد، ينتج فساد.


لذا أجد أنه بخصوص حيز التطبيق، التطبيق الفردي الذي ينتج عن وعي أفضل، لكن لا نستطيع إيجاد مجتمع جميع أفراده ذوي وعي، حتى إن بدأنا بجيل مثل هذا، الأجيال التالية لن تكون مشابهة، لذا نجد التطبيق المجتمعي على العامة هو الإختيار الوحيد -إلا بحالة واحدة لا يتسع المجال لذكرها-، إذاً يكون التطبيق مجتمعي، و هو ما يزيد من القابلية للفساد.


التطبيق المجتمعي المتمحور حول نموذج له أسم آخر، و هو الأخلاق الثابتة، أو المثالية، و يُمكن تمييز تلك الأخلاق بنظرة واحدة، فهي أخلاق لا تتغير بتغير المجتمع، و هو ما يضعها تماماً تحت نصل الزمن، الذي -مع تغير المجتمع- سيقتلها بلا رجعة، و التاريخ يشهد على مثل تلك الحالات كثيراً، و المشكلة الأكبر هي أنه مع موت النموذج، ينهار البناء الأخلاقي المجتمعي بكامله، لذا فالأخلاق المثالية لا تصلح كثيراً للتطبيق الطويل الأمد.


نصل الأن إلى مركز القضية، فالأخلاق النسبية المتمثلة في كون الأخلاق علم وصفي لا تضيف جديد، عديمة الفائدة، و الأخلاق المثالية تموت مع الزمن مخلفة فجوة كبيرة في المجتمع، فما الذي يُمكن فعله ؟، أذهب إلى أن الأخلاق المثالية، كعلم معياري، لا يلزم معه التطبيق الكلي لها، أي أن يتمثل التطبيق بها، لكن يدرك أنه لن يُمكنه الوصول لها، فيكون بهذا التطبيق أكثر مرونة للتغيرات المجتمعية، و بدرجة ما يقودها إلى نقطة البداية بدون آثار مدمرة قوية، فيتم المحافظة على مجموعة الأخلاق المثالية، لكن يتم تطبيق أخلاق نسبية -إلى درجة ما لأنها تتبع الأخلاق المثالية بالنهاية-، فلا يلفظ المجتمع الأخلاق المثالية، و لا يتجه لنسبية أخلاقية صرفة، مثل تلك الثنائية في الحقيقة تُشكل جزء من كُل أكبر، و يُصبح تحقيقها أسهل في ظله، لكن للأسف لا يتسع المجال هنا لحديث أكثر عن هذا الكل، فأقول بالنهاية أن تلخيص كل ما سبق يُمكن وضعه في جملة واحدة : النسق الأخلاقي الأفضل برأيي هو أخلاق نسبية تستمد شرعيتها من أخلاق مثالية.

Advertisements

2 تعليقان to “الأخلاق بين المثالية و التطبيق.”

  1. chictopia1 Says:

    نحن بحاجة لمزيد من الاسهاب في مثل هذة المواضيع يا صديقي :)

  2. FAR...CRY Says:

    أنوي هذا بالفعل، بإذن الله حين الحديث عن نتائج تلك الصورة التي بنيتها في مقالات العقل سيكون هناك جانباً مختص بالنتائج الأخلاقية، أتمنى أن تثير إهتمامكِ :)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: