Sentimental Torture


ليلاً كان الوقت، ليلة ممطرة، لجأ الغالبية إلى أسرتهم الدافئة، و بخارج منازلهم، تصاعد بخار أبيض من جوانب الطرقات، و تكررت دقات المطر الرتيبة على تلك البنايات و النوافذ بلا نهاية، لكن من بين تلك الدقات أمكن تمييز صوت خافت، وقع خطوات متسارع ككابوس يُطبق على الصدر.


ظل يجري بلا توقف، آدم، و الحريق برئتيه لا يهدأ، بل يزداد إشتعالاً مع كل شهيق آخر يمر في حلقه، فزاد من ضربات قلبه في رأسه، و تشوش رؤيته و الخدر بقدميه، لكنه لم يتوقف، إتجه إلى حارة ثم أكمل، ثم أنعطف، حارة أخرى، ثم إنعطاف، بلا هدف سوى عدم النظر خلفه و إبقاء جريه ثابتاً، لكن بالنهاية توقف عند سور خشبي، أستند عليه و هو يصارع للحصول على هواء، و السُحب تمطره بلا رحمة.


لم يكن هناك تحذير، لا حتى صوت خافت يدل على وصولهم، فقط شعر بلسعة صغيرة على ظهره، و دوار مفاجيء، على ركبتيه حاول أن يهرب زحفاً، لكن قبل أن تكتمل فكرته تلك أِسّود العالم.


***


أول شيء لاحظه كان الرائحة، رائحة العرق و القذارة، و أيضاً حلاوة عطر تعبق الهواء، لكن كانت هناك رائحة أخرى أستطاع أن يلاحظها برغم ضعفها، رائحة لم تطغى عليها الروائح الأخرى، تلك التي تذكره بالمستشفيات، رائحة التعقيم.


ثم شعر بجسده، جالساً على كرسي، و يداه مربوطتان خلف ظهره و رجلاه بأرجل الكرسي، رأسه لم يكن مقيداً لكنه لم يقدر على تحريكه، و ما زالت الرؤية مشوشة و زادها سوءاً ضعف الإضاءة، لكنه أحس بوجود شخص آخر في الغرفة، نادى، لكن بلا رد، فحاول أن يرفع رأسه مرة أخرى قائلاً “إن كان هذا عن تلك الحقيبـ”، “لا، ليس عنها.”، قاطعه صوت عميق، رجولي، بلهجة تتآكل بها الحروف، “يبدو أنه لا يعلم ما الذي يفعله هنا، يظن نفسه هنا لمجرد حقيبة!”، قال صوت آخر، أكثر حدة، تبعه صوت ثالث “سيعلم”، صوت هاديء جداً، بشكل بعث رجفة باردة في عنق آدم.


ثم سمع أحدهم يقوم، و صاحب قيامه إنبعاث المزيد من رائحة العرق و تحرك شكل غير واضح بإتجاهه، ثم يد ثقيلة توضع على كتفه، تلاها صوت يشبه الصوت الأول يقول “يا صديقي، ما فعلته ليس بقليل.”، ثم تنهد، “ليس بقليل على الإطلاق، هناك أشخاص بشدة غير سعيدين بأفعالك، أشخاص خذلتهم فعلاً.”، أخيراً بدأت عينا آدم في تقديم رؤية واضحة له، من كان يقف أمامه هو شخص ممتليء الجسم قليلاً، قصير، بعضلات آخذة بالتحول إلى بدانة، و بالرغم من شعره، لحيته و ملابسه المرتبة، إلا أن الإتساخ بادي عليه، و يزيده الإرهاق الواضح في عينيه.


و بعيداً عنه قليلاً، لمح آدم طاولة، و شخصين جالسين بالقرب منها، أحدهم اشبه بسلك دبت فيه الحياة، يرتدي حذاء ممزق و بنطلون، و قميص ترك أزراره مفتوحة لتبدو من خلفه عظام صدره ككومة مهملة، شعر قصير برأسه، و عينان واسعتان لا ترمشان، و على فمه وضع إبتسامة عريضة تسمح برؤية لثته.


أما الآخر، أشارت طريقة جلوسه المثالية على كرسيه إلى أناقته، و بالرغم من التزمت الواضح به إلا أن الإرتياح بدى عليه، فكل تحركاته دمثة و دقيقة، بيده اليمنى لا يتوقف عن التلاعب بغرض حديدي صغير، ففكر فيه آدم على أنه الرجل الهاديء، كمضاد للآخر الذي يبدو عليه شكل المجنون البارد، أما الثالث فلم يجد ما يناسبه، فقط شعر أنه الأكثر رحمة بهم، فسماه في عقله راش.


بهدوء قال راش مستخدماً صوته العميق “سنظل هنا لفترة.”، ثم رفع قدمه و أضاف “و سنرى إن كان لك أي فائدة، يا صديقي، أريدك أن تخبرني بماذا نستطيع أن نستخدمك ؟، لنختبر إن كانت مهارتك ستساعدك على الإجابة.”، ثم ذهب إلى الطاولة و سحب كرسي و جلس، فقام المجنون و هو يحمل شيء ما، “الآن يبدأ المرح!”، مبتسماً قالها، “أتعرف ما هذا ؟، غالباً تسمى كسارة بندق، لكني أسميها التمساح، هذا الشيء يؤلم حقاً، يا إلهي!، كيف يؤلم ؟، دعني أريك!”، و مسك أصبع آدم الصغير ثم وضعه بداخل التمساح، فحاول آدم بعنف أن يخرجه، “أعلم، أعلم!” قالها المجنون، و إبتسامته تزيد إتساعاً، “إن كان بهذا أي مواساة، فالألم الذي ستشعره الآن ليس قريب حتى مما سنفعله بك لاحقاً.”، ثم ضغط بقوة، و صدرت طرقعة عالية من التمساح أختلطت بصرخات آدم، فصاح المجنون “أتعرف عدد العظام في يد واحدة فقط ؟، أكثر مما تتخيل!، لكننا سنجدهم جميعا!”


***


بعد كسر عظام قليلة أخرى، و بقاء أحداهم بارزة من جلد أصبع آدم كأنها شظية، وضع الهاديء يده على كتف المجنون كإشارة للتوقف، ثم مال إلى آدم و قال “أتعلم، يمكنني أن أوقف كل هذا، حالاً، كما أشار صديقي سابقاً، تستطيع أن تضع نهاية لما نفعله بك.”، “كيف ؟!”، بهلع صرخ آدم، “سأفعل أي شيء، سأسرق من أجلك، سأقتل من أجلك، سأفعل أي شيء تطلبه!، فقط أخبرني ماذا تريد و سأفعله.”، نظر الهاديء له بإزدراء، و قال “أريد أن أريك شيئاً، أتستطيع التركيز ؟، هل يمكنك الرؤية ؟” أومأ آدم، فقال الهاديء مشيراً لراش “أحضرها إلى هنا.”، سمع آدم ضجة، فرفع رأسه الثقيلة ليرى راش يدخل بعربة صغيرة محملة بأشياء، لكنه لم يستطع تحديد طبيعتهم بعد.


تم دفع العربة حتى توقفت أمامه، ثم تناول الهاديء منها قصبة حديدية رفيعة و قال “هذا الشيء يتم إستخدامه لصنع الثقوب، لكني الآن سأستعمله للإشارة على الأشياء الأخرى، لأنه يجب علي ألا ألمس بعضها إلا في حال إرتداء قفازات، تلك الأوعية في الرف السفلي تحوي عدة أحماض، هذا الذي يبدو بلون أخضر للجلد، أما الأصفر هذا فهو للجروح المفتوحة، لن تقدر على تخيل مقدار الألم الذي ينتج منهما، أما هذا الذي بجوارهم، الصندوق الأسود ذو الأسلاك الخارجة منه، هذا مولد صغير، و تلك الأسلاك المتصلة به ستدخل في أماكن متنوعة، العلبة البلاستيكية نصف الشفافة بجانبه تحوي الحقن و الإبر، معظمهم مستعملين و يعلوهم الصدأ، لكننا لا نمانع.”


ثم أشار للرف العلوي مكملاً “ستلاحظ هنا عدة مشارط، الصغير هذا هو ما أفضله.”، و أشار بالقصبة إلى سكين صغير بشفرة تكاد تكون معدومة، “أحياناً، يُغلق زوارنا عيونهم، في محاولة يائسة لتجاهل الذي نفعله بهم، فبدلاً من إبقاء أعينهم مفتوحة بكلابات و عيدان و مشابك و ما إلى ذلك، فقط نزيل الجفون، طريقة بسيطة، فعالة، و توفر علينا الكثير من التعب، بجانب تلك المشارط تجد السكاكين المعتادة و الأدوات الحادة الأخرى، ستلاحظ أن هناك تسلسل هنا، من الأشياء الحادة و العلمية” و أشار لجانب العربة، ثم أشار للجانب الآخر “مروراً بالأدوات الأقل حدة، و إنتهاءاً بمجموعة الأدوات البليدة تلك، لكنها ما زالت قابلة للإستخدام، خذ تلك كمثال.”


و وضع القصبة الحديدية جانباً ثم ألتقط آداتين حديديتين ضخمتين، أحداهما تشبه رأس الرمح، و الأخرى تشبهها لكن مع وجود حاجز معدني ملتصق بأحد أطرافها، “أسمي هاتان المطرقة و الأزميل، ثقيلتين، و هو شيء جيد، لأن طريقة الإستعمال تتطلب بعض القوة، الأزميل يوضع عند مفصلك كالتالي.”، و مال على آدم و وضعه تحت كوعه، ثم وضع المطرقة عند رأس الأزميل قائلاً “و المطرقة تتأرجح بقوة لتصدم الأزميل، دافعة إياه إلى داخل مفصلك، شيء مدهش حقاً.”


وضع الآداتين على العربة بدون أن يُكمل إستعمالهما، ثم ألتقط شيء آخر مسترسلاً “أما هذا يُدعى كماشة، ستلاحظ أن طرفيها تم عوجهما قليلاً، أترى كيف تصنع شكل كالمسمار ؟، هذا للسانك!”، توقف ليتنهد ثم همس “طبعاً ما زال بإمكانك إيقاف هذا، فقط نريد إجابة للسؤال.”، فسأل آدم “أية سؤال ؟”، و حاول أن يوقف بكاءه و هو يتمتم “أي شيء تريده.”، فقال الهاديء “كيف نستطيع إستخدامك ؟، هذا هو فقط السؤال، كيف يُمكن أن يكون لك فائدة ؟”، بدأ آدم إجابته “أنا ..”، فوقف الثلاثة أمامه في صمت تام بإنتظاره، “أنا لا أعلم.”، تنهد الهاديء “إذاً فالأمر منتهي بالنسبة لك للأسف، لنبدأ بشكل لائق.”


ثم ذهب إلى الطاولة، و أتى بالغرض المعدني الصغير الذي كان يتلاعب به سابقاً، و عاد إلى آدم سامحاً بتدلي الغرض من يده، برعب متزايد لاحظ آدم أنه مسمار معدني طويل، ببقع سوداء تغطيه، “ماذا تريد ؟” صرخ آدم، “أرجوك، فقط قل ماذا تريد، سأخبرك أي شيء، سأحضر لك أي شيء تريده.”، فقال الهاديء “أصدقائي و أنا سألناك عدة مرات بالفعل، لكنك لم تتكرم حتى بالرد، إن لم نجد فائدة لك، لن يوجد ما نستطيع تقديمه لك، أما بالنسبة لي الآن، فهذا ..”، و حرك المسمار بين كفيه مكملاً “فهذا هنا مجرد بداية، سيكون هناك الكثير قبل أن ننتهي، غالباً ستجد بالنهاية أنه لم يبقى جزء من جسدك لم يُنتهك، لكن هذا المسمار الصديء الطويل ..”، و رفعه أمام وجه آدم، “هذا سيدخل في عينك.”، و كان أخر شيء رأته عين آدم اليمنى، و هو يصرخ بشكل هستيري، المسمار يُدفع ببطء إلى الداخل.


***


تركوه بالداخل هناك، كوتد، و نز سائل العين حوله، فقام الهاديء بالتربيت على المسمار بمنديل قائلاً “لا نريد أن ينزلق المسمار للخارج، و لهذا قررنا أن نُثبت رأسك بكلابة، شخصياً، أُفضل أن يقدر الناس على أرجحة رأسهم، يُبدي عليهم هذا الحياة، لكن بحالتك ربما تقدر على .. هههه .. أن تضرب المسمار بقوة كافية لدفعه إلى داخل مخك، و نحن حقاً لا نريد هذا.”


***


“آآآآه، يؤؤؤلم، أخرجوهم، أخرجوووهم، أخرجوهم أخرجوهم.”
“ما نفعك ؟” صاح الهاديء.
“لا أعلم ما نفعي!!”
“غير كافي.”، زمجر، و أستمر.


***


“أرجوك، يكفي يد واحدة، أتوسل إليك، يا إلهي، أرجـ..”
“ما نفعك ؟!، ما نفعك يا صديقي ؟”
“أنه – أنه – أنه – لا أعلم، لا أعلم!، أي شيء تريده ليكون!، ماذا تريده أن يكون ؟”
“تلك ليست الإجابة، سنبدأ بأول أصبع.”
“يا إلهي، لا!، أرجوك!”


***


“أظنه فقد الوعي.”
“ليس تماماً، أنظر، ما زال يتمتم بأشياء ما، أعطيني الأسلاك مرة أخرى، شكراً، أدخلها مع الإشارة .. الآن!”
“آآآآه.”
“ممتاز.”


***


“أقتلني، أقتلني، أقتلني، أرجوك، أقتلني.”
“لمَ ؟، لم نصل لنصف الأمر بعد حتى.”
“أقتلني، أقتلني، أقتـ آآآآآه.”
“أترى ؟”


***


“حمض أكثر رُبما ؟”
بتلك المرحلة، لم يكن آدم يصدر أي كلمات واضحة، فقط همهمة، هذي.
“حمض أكثر بالتأكيد!”


***


حين أنتهوا تماما، و بدأ راش بوضع أدواته بعيداً، بدون تنظيفهم، فقط وضعهم بعيداً، و عادت الحقن و الإبر إلى نفس العلبة التي أتت منها، رفع المتبقي من آدم رأسه لمرة أخيرة، عينه الباقية واجهت صعوبة في الرؤية مرة أخرى، كل شيء يبهت و يتضح بإستمرار، بلحظة يرى راش بوضوح، ثم مجرد تشوش وردي كبير، ثم بوضوح مرة أخرى.


“لمَ ؟” سأل آدم، “عذراً ؟” رد راش، بدون أن ينظر، فقط رد، و هو مستمر بوضع الأدوات، أخذ آدم دقيقة كاملة لتشكيل الكلمات، “لم ؟، ما الذي أردته ؟” قال أخيراً، لم يكن هناك دموع، لم يكن هناك حزن، لم يبقى شيء، “ما الذي أردته ؟”


وضع راش الأدوات المتبقية في صمت، ثم مشى إلى أن وصل إلى آدم و جثم أمامه، “حقاً لا تعلم ؟”


“لا.”


“غداً، سيجد شخص ما جثتك، في تلك الحارة التي أمسكناك بها، بمظهرك الجميل كما أنت الآن!، و سينتشر الخبر، مما سيُقلل متاعبنا كثيراً مع المدمنين و المجرمين بالمنطقة، لنقوم بنشاطنا بلا إزعاج من أمثالك.”


“و الأسئلة ؟” قال آدم.


“لم يكن لها إجابة صحيحة.”، رد راش، “هاك.”، و رفع حقنة، “جرعة أخيرة، تلك ستكون هادئة و مريحة.”، و حقن آدم بمحتوياتها، “ستذهب رؤيتك، ثم وعيك، سأعود لاحقاً لأخذ جسدك.”


“شكراً.” قال آدم.


“لا داعي للشكر.”


“شكراً.” قال آدم، “شكراً، أشكرك، أشكرك.”، ثم سقط في صمت.


أنتظر راش للحظات قليلة، ثم فحص نبض آدم، “عُد إلى الإشراق.”، قال، و هو يضع الحقنة الأخيرة، ثم غادر الغرفة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: