دفق الحياة : 1. النقطة الزرقاء.


تبدأ الحكاية بلمعان، منذ ما يقرب من 14 بليون سنة، لمعان، ليس كلمعان شمس، ليس كلمعان ألف شمس، و لا حتى مليون، بل لمعان لم يُشهد له مثيل منذ حدثه، و لن يُشهد 1، ثم، بعد حوالي بليون عام، أنتشر بالكون الوليد لمعانات أخرى كثيرة، لكن أقل شدة، نجوم، نُسميها، نجوم، و مجرات و كوازرات، 100 بليون مجرة، 70 سكتليون –2210 × 7– نجم 2.


و بعد مُضى بلايين عديدة أخرى، تحديداً مُنذ 4.5 بليون عام، كانت هناك تلك مجرة، مجرة لا يميزها أي شيء عن غيرها، إعتيادية إلى أقصى حد، تحوي 400 بليون نجم، كانت هناك تلك المجرة، فقط تسبح في الخواء بكل نجومها، غير مُدركة لما يحدث بها، فقط لكونه تكراراً بالنسبة لها، كوكب صغير، يتشكل، كوكب صغير حقاً، يدور حول نجم نائيّ في طرف المجرة.


و خلال بلايين الأعوام التالية لتشكله، نشأت عليه حياة نباتية، بدأت بتعديل مناخه بقدر ضئيل، لكن بإستمرار، لتسمح بالنهاية لملايين الأجناس و الفصائل المختلفة بالحياة فيه، كُل يعيش في وحدة، في إنسجام و تناغم تام، و بالرغم من كون هذا الكوكب أصغر كثيراً، أصغر بشكل لا يمكن تخيله، من مجرد نقطة في صفحة الفضاء، إلا أنه بتلك الحياة فيه محتوي أفعالاً كل يوم أكثر من عدد النجوم في الكون، و فقط يزداد هذا إلى أن يصل الزمن بالكوكب إلى 200 ألف سنة مضت، حينها حدث بالكوكب مجرد شيء إعتيادي آخر بالنسبة له، لكنه يعني كل شيء بالنسبة لك و لي، ظهور فصيلة أخرى تُضاف لملايين غيرها، أو ظهور الإنسان.


الإنسان هو واحد من أحدث المخلوقات ظهوراً على الأرض، مخلوق هش جسمانياً، لا يمتلك ما يُمكنه من البقاء بعيداً عن الإنقراض سوى عقله، لكنه لسبب ما، بعد آلاف السنين من العيش بتناغم مع الكوكب، بدأ هذا العقل بإعتناق أفكار جعلته يبالغ في حقيقته، في قدرته على البقاء و طبيعتها، أفكار مثل كونه قمة السلسلة الغذائية، أو أنه، كما الحال الآن، مفصول عن الطبيعة، قائم بذاته، ليس جزءاً من هذا النظام بل هو وحده نظام.


أفكار جعلته يعتبر الطبيعة مورداً، و المخلوقات ملكية، خاصة بعد الثورة الصناعية، التي أعتبرت الطبيعة مورداً لا ينضب، فأستغلها الإنسان بقدر إستطاعته، أستمد منها طاقات هيأت له الأمان و الإستقرار الإقتصادي، فزاد بهذا من معدل المواليد و بالتالي من معدل الإستهلاك كذلك، الذي يعني من جهة أخرى معدل التلويث و التخريب ، ليصبح الإنسان اليوم في الحقيقة الكائن الوحيد على الأرض الذي يفسدها، لا يعمرها.


لكن، بإمتلاك أفكار كتلك، لا يرى الإنسان الآن أهمية الأرض، أهمية الطبيعة، لا يُدرك حقاً أنه قائم عليها، بدونها لن يعيش، الإنسان ليس قمة السلسلة الغذائية، و لا هو مفصول عن الطبيعة، تلك أفكار تنبع فقط من غرورنا كما فعل مفكري أوروبا في القرن التاسع عشر حين أعتبروا أن عندهم تنتهي الحضارة و تصل لقمتها، الإنسان فقط مخلوق آخر في تلك البيئة، يُؤكل كما يَأكل، لسنا حقاً كما نتعلم من ثقافاتنا المختلفة التي تشير الغالبية العظمى منها لكوننا الأعظم و الأقوى على هذا الكوكب، هذا الغرور يمنعنا من رؤية أن ما نفعله بالأرض، لا يُفسدها حقاً، بل يُفسد المكان الذي نعيش به منها.


فالأنظمة البيولوجية تتميز بصفتين مهمتين لنا هنا، سهولة الإخلال بها، و مرونتها التطورية، و الأرض كوكب يفوق سن جنس الإنسان بعدة أضعاف، حتى أنه يُمكن القول أن هذا الكوكب حكيم في فهمه و فعله للأنظمة البيولوجية، لهذا هو بالرغم من كونه حقاً لا شيء في هذا الكون، يظل أعظم كثيراً مما يفعله الإنسان، بالرغم من أن الإنسان فعلاً يُخل بنظامه نظراً لكون نظمه البيولوجية كشبكة ضخمة إن أفسدنا جانباً منها تنهار بكاملها، إلا أنها لن تكون أول مرة يواجه فيها الكوكب كارثة بيئية، و هنا تظهر قدرته على التطور، المرونة في التكيف و التأقلم.


فإن إستمر الإنسان مثلاً بما يفعله، لن فقط يموت الكوكب و يذوي في ظلمة الفضاء، بل فقط سيتكيف، ستتطور الأنظمة البيولوجية فيه لتقدر على الحياة تحت الأمطار الحمضية، الإشعاعات القادمة من الشمس، الحرارة، أو حتى ندرة الضوء، بالفترة الأخيرة قرأت عدة مقالات عن الأنظمة النباتية في بيئات نادرة الضوء أو شديدة الإشعاع، و الحياة الميكروسكوبية في بيئات عالية الحموضة، و منها أقول أنه حتى قبل إضطرار الكوكب إلى التكيف توجد حالياً كائنات من أنواع مختلفة تستطيع الحياة و النجاة في أياً من تلك الظروف الخشنة، و لهذا تكون تلك الظروف خشنة فقط على الإنسان، من لن يستطيع النجاة هو الإنسان الذي يُفسد مكان معيشته، أي أن الإنسان فقط يرتكب إنتحاراً جماعي.


بنهاية كل يوم، حين أنظر لنا، نحن البشر، أجد أننا فقط كثيرو العدد، أعني حقاً، فقط كثيرون، لم نسهم في جعل هذا الكوكب مكاناً أفضل، بل أننا حالياً أسوء مما كنا عليه من قبل، لكننا، كما أقول، جنس صغير العمر، ما زال أمامنا الكثير لنتعلمه، فقط يجب أن نتعلمه قبل أن يؤدي بنا هذا لجهل إلى الإنقراض، حقاً كما يُقال : رُحم من علم قدر نفسه، ليت الإنسان الآن يعلم مكانه و واجبه، الحديث هنا ليس عن دعوة إلى ترك حياتنا و الحياة على الأشجار بدون كهرباء أو أجهزة و الإستعانة بالصيد و الزراعة للإستمرار، لكن كي لا يطول، بتفصيل أعمق و توضيح للحلول، يُستكمل لاحقاً بإذن الله.

l


1– حسب القياسات الحالية لمعدل تمدد الفضاء المتسارع سيستمر تمدد الكون بلا نهاية.
22210 × 7 هو عدد النجوم التقديري فقط في الجزء المرئي من الكون.

Advertisements

4 تعليقات to “دفق الحياة : 1. النقطة الزرقاء.”

  1. عاصم Says:

    أحسنت.. مقال رائع، المتأمل في آيات القرآن الكريم يدرك حقا أن الإنسان جزء من الكون و ليس منفصلا عنه و أن تفضيل الله سبحانه و تعالى له هو تفضيل قوامة و مسئولية و منه جاء تفضيل المكانة، و أن هذا التفضيل لم يكن بالأصل تفضيل مكانة … ليت البشر يدركون ذلك قبل أن يفوت الأوان و نحاول أن نلحق ما تبقى من بيئتنا فلا نستطيع !!

  2. FAR...CRY Says:

    فعلاً القرآن يوضح جداً أن وراثة الإنسان للأرض ليست وراثة ملكية و إنما وراثة قوامة، فليست الحيوانات مثلاً ملكاً نقتلها كيفما نشاء -على خلاف ما يظن غالبية المسلمين اليوم حسب فكرة أن العالم مسخر لنا- و إنما هي جزء نتعايش معه و نحرص على بناء محيط أفضل له، و ذلك مثال للتعمير المطلوب من الإنسان في الأرض، لا التعمير بمعنى بناء المباني.

    أما عن الموعد النهائي الذي بعده سيكون الأوان قد فات، فما رأيك يا عاصم ؟، سمني متشائم لكنني أرى أن البشر سيفشلون في الإختبار P=

  3. عاصم Says:

    ربنا يستر ………..

  4. FAR...CRY Says:

    ربنا يستر فعلاً P=

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: