شيء كـ ليسنا.


الطيبة صفة، صفة متأصلة في كوننا بشراً، بشر أغلبهم -إن لم يكن جميعهم- طيبون، يميلون للخير و لكل فعل جيد، حتى بأكثرنا تطرفاً في إتجاه الضد يريد بالحقيقة أن فقط يرى بذاته خيراً، بمعنى أنه يرى لأفعاله نتائج نهائية خيرة، الذين يفعلون الشر لذاته هم ندرة، إن كان يوجد منهم أياً على الإطلاق.


جميعنا نسعى لشيئين في هذا الأمر، الرضا عن الذات، و الذي يجب أن يصاحبه سعادة، لذا جميعنا، من الفتاة الضائعة إلى مجرم الحرب نسعى للوصول إلى ما نؤمن أنه خير، إلا أن كثيراً ما نخطيء، فلم نولد بفهم لكل شيء بل نعرف هذا خلال الحياة، لذا خلال سعينا للرضا عن الذات و الذي يتحقق من خلال فعل الخير، أحياناً نتخذ منعطفات خاطئة، رؤى مشوشة عما هو الخير فيما أمامنا، لكن بقلوبنا، بأعماقنا حقاً، نحن فقط كيانات مسكينة طيبة.


أعلم أنك الآن ترتب برأسك أمثلة عديدة تود إخباري بها تثبت إستحالة ما أقول، لكن هكذا تعودنا التفكير، هكذا تعودنا أن نضع ذواتنا مقياساً، من فعل خيراً لنا فهو خيّر، و من فعل شراً فهو سيء، لكن أليست تلك أنانية ؟، ألم تفعل ما تعتبره أخطائاً و يعتبره من اخطأت بحقه شراً منك لسوئك ؟، أقول أننا جميعاً بالعمق كيانات خيرة، و أن أفعالنا لا تحددنا، أفعالنا و أخطائنا لا تحدد من نحن حقاً، فكم صادفت أناساً مكروهين أو محتقرين لأفعالهم، لكن ما أجدهم إلا بشر في روح نقية ضائعة، تريد إرشاد قليل، إرشاد صحيح، إرشاد يكفي لأن نمنحها ضوءاً على ما يصح من الطريق، لنمنحهم بهذا، بفعل بسيط، كثيراً من الرضا عن الذات، بدل ممارسة كره من هنا و عناد من هناك.


لا تحددنا أفعالنا، لا تحدد طبيعتنا، صدقنا، ندمنا و رغبتنا في الخير الذي أحياناً نراه مشوش، أذكر هنا قصة فتاة أمريكية، كانت كالغالبية العظمى في عمرها تود أن تجرب الحياة، و خلال تجريبها أحبت شخصاً، و أرادت منحه هدية مميزة له، فأخذت صوراً لجسدها إليه، هنا أقطع القصة قليلاً لأقول لقرائي الذكور : أثق أن أغلبكم لا و ربما لن يفهم كيف يكون هذا الأمر بالنسبة لكثير من الفتيات، لا يكون كممارسة عهر، حتماً ليس كفعل فجور، فقط يكون، هدية، شيء مميز بشكل خاص، منح راقي عن الشهوة. أخذت صوراً له فنشرها لتجد نفسها خلال فترة قصيرة مُحاطة بمن رآها كما أريت من أحبت، و لأننا تمييزيين، ميالين للحكم و التصنيف، صنفت كحقيرة، من أشخاص أعلم أن لابد من أنهم فعلوا أخطاء كذلك، فقط لم تنشر بتلك الطريقة، لذا، أقول كانت، لأنها أنتحرت، مخلفة ملحوظة صغيرة : تذكروني لذاتي، لا لأخطائي.


ما نحن إليه بحاجة هو مزيد من التفهم، أن نعي أن من نحكم عليهم هم بشر مثلنا، يشعرون مثلنا، أعني حتى القاتل، حتى العاهرة، حتى الإرهابي، حتى أشر البشر فعلاً، ليسوا بذات الشر ذاتاً، لأنهم مثلنا، لهم أهل، لهم أولاد، لهم زوجات، يعيشون أياماً كأيامنا، يغضبون و يفرحون، فقط ما لا نتشابه به هو أفعال كلاً منا، لكن أفعالهم إن نظرنا حقاً لما خلفها، لمَ حدثت، لوجدنا غالباً وضع إن كنا به لفعلنا ذات الفعل.


حين يأتي القانون في الصورة، لا يهم سوى الأفعال -إلا بحالات قليلة-، هنا يُحكم علينا و نعاقب لأفعالنا و لا يهم كثيراً ذواتنا، أي أننا نحاسب على ما نفعله لا على ما تمنينا فعله، لكن، حين تأتي الحياة للنهاية، أو حين تأتي الحياة للمعرفة، دعونا فقط نكون أكثر تفهماً، و أقل قانوناً، و ندرك، أن ندرك حقاً، أن البشر أخيار.

Advertisements

2 تعليقان to “شيء كـ ليسنا.”

  1. loyalty Says:

    كم يؤرقني وضعهم ..

    ولكن ألا ليت قومي يفقهون ..!!

    ” دعونا فقط نكون أكثر تفهماً، و أقل قانوناً، و ندرك، أن ندرك حقاً، أن البشر أخيار ”

    ثم يا يحيى , إياك و التعميم !

    فـ التعميم من العمى .

  2. FAR...CRY Says:

    ليس هذا تعميماً بقدر ما هو إختصار للجملة نظراً لتأكيدي السابق لها على أن غالبية البشر على هذا الحال، بحق أغلب البشر هكذا حتى فاعلي أبشع الأمور، القناعات هي ما تؤدي بنا لطرق ضائعة نتوهم بها الصلاح.

    كحضوركِ دوماً، زهرة لكِ.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: