دفق الحياة : 2. هذا الذي يُقتل بثروته.


الطاقة الكربونية، الطاقة الكربونية هي السبب الرئيسي في أنك تعيش الآن بمنزل أسمنتي لا بكوخ، هي السبب في وجود أشياء عدة حولك لا تحتاجها حقاً و ربما لم تستخدمها لسنين، الطاقة الكربونية هي ما يغذي تصورك أنك معزول حقاً عن ما نسميه الحياة البرية، معزول بمعنى أنك لا تحتاجها، بالنسبة لك هي مجرد مشاهد جميلة على شاشتك، فقط تلك الطاقة هي التي تجعلك تظن أنك كائن مميز، متفوق، سيد لعالمه، الطاقة المتمثلة في النفط و الفحم.


منذ ظهور الإنسان على الأرض و حتى بضع آلاف السنين من الآن كنا نعيش كجزء من السلسلة البيئية، كنا نعيش بسلام مع الأرض بدون التخريب بها، فالحياة على الزراعة حددت مدى قدرتنا على الإنتاج و بالتالي وضعت حداً لما يمكننا فعله خلال فترة زمنية معينة، حد لا يوصلنا للإفساد، لكن مع إكتشاف الطاقات المختزنة في الأرض من فحم و نفط تصاعدت قدرتنا الإنتاجية بشكل مجنون، أمكننا خلال أقل من ألفي عام الإنتقال من النمط المسالم إلى نمط ينهش في جسد الأرض ليخرج منها المزيد لتغذية المصانع، و هذا الإنتاج الغزير بالمصانع مكننا من الحياة في تلك البقع، المدن، حيث يصلنا كل ما نحتاجه بدون الحاجة لصنعه بأنفسنا.


إن نظرت للأمر من الخارج، هو اشبه بتلك الماصات، ماصات لدماء الأرض تتمثل في المناجم و آبار البترول، هكذا تخيلها، تدفع بالدماء إلى المدن، أو الحويصلات الجرثومية، حيث نتغذى على تلك الدماء، و لو كانت السلسلة تنتهي هنا لما شكل هذا مشكلة كبيرة، لكن تغذينا هذا يخلف ورائنا الكثير، مخلفات من جميع الأنواع تنتشر بهواء الأرض، بمياهها، و بتربتها، ملوثات إن وصلت لحدها -و الذي تتجه له لا فقط بثبات بل بشكل متسارع أيضاً- ستهدم تلك السلسلة التي نعاملها بشكل مضمون كأنها لا تنتهي، و حين يحدث هذا، سيكون هناك عشرات الطرق لننقرض بها، غارقين بإشعاعات، ذائبين في أمطار حمضية، أو ربما فقط ننقرض جوعاً.


لمَ نفعل هذا ؟، و لمَ أنت خلال الغالبية العظمى من حياتك و ربما حتى الآن لا تعرف عن تلك الأشياء التي تحدث حولك بكل لحظة ؟، السبب هو نظامنا الإقتصادي، هذا النظام الذي بمرحلة ما قرر أن هدفه هو إستخراج المزيد، بيع المزيد، و فقط الإستمرار بهذا المسمى نمو في سبيل تحسين جودة حياتنا، أي ليوفر لك ألف شكل مختلف من الملابس، لكي يضع بيدك عشرات السيارات الجديدة كل عام، مئات الأنواع المختلفة من الطعام، أجهزة بأشكال مختلفة و إستخدامات لا حصر لها، هكذا يكون تحسين جودة حياتنا، أي تسهيلها أكثر، و جعلها أجمل مظهراً و أكثر مرحاً خلال فعل التسهيل.


لكن ما لا يفهمه غالبيتنا أن هذا يشبه شخص يأكل الذهب حتى يختنق به، نحن نستمر بتحسين حياتنا بشكل سيجعلها تنهار فجأة حين يصل التلوث لحدود لا نستطيع الحياة بها، و للأسف فالنظام الإقتصادي لا يسمح لك برؤية هذا، بل فقط يفيضك بمنتجات غزيرة، فتصبح كل يوم لتفكر فيما ستشتريه، و كيف ستوفر المال له، و كيف أن هذا الجهاز سيجعلك أكثر أناقة، أو تلك السيارة ستجعلك أفضل مظهراً، ثم بعد قليل تنهي فطورك و لا تفكر في مصير العلب و الأكواب البلاستيكية أو الورقية التي تستخدمها، و التي يتم تصنيع مئات الآلاف منها كل يوم لتستخدم فقط مرة واحدة ثم تظل بكوم نفايات لعمر ربما يزيد عن عمرك بأكمله.


يجعلك النظام الإقتصادي كائن مستهلك، كل همك هو معرفة كيف تستهلك، تعيش حياتك في عمل يسمح لك بإستهلاك المزيد و شراء أشياء أنت لست حقاً بحاجة لها، ماذا نكون حين فقط نستهلك ؟ ما مرادف هذا ؟، كائنات عديمة النفع ؟، بالتأكيد لا، بل أسوء، كائنات مفسدة، ورم خبيث يتآكل الأرض، لا أبالغ أو أرسم صورة قاتمة عما هي الحقيقة، بل تلك هي الحقيقة، الحقيقة ذاتها التي بسبب نظام إقتصادي قائم على طاقة غير متجددة، لا نراها، و نظن أننا كائنات بقمة السلسلة الغذائية يحق لنا تملك ما نريده من الأرض و الحيوانات و فعل ما نريده بها كأنها حقاً قابلة للتملك، أعني فقط تخيل و لو للحظة حالنا بدون طاقة تسمح لنا بتلك السيطرة، تخيل لو أن هناك كائنات أكثر ذكاءاً منا، و أننا فقط جزء من ملكيتها، أهذا وضع مقبول ؟، إذاً لمَ نقبل الوضع على كل ما غيرنا، لمَ قوانيننا الشخصية تعطي الإحترام فقط للبشر ؟.


أليس الأجدر بنا و نحن أذكى الحيوانات بالأرض أن نحافظ على إستمراريتها و إستمرارية غيرنا من المخلوقات ؟، تلك المخلوقات التي هي بالأساس تدعم وجودنا، تدعم غذائنا و إستمراريتنا، نحن البشر كائنات هشة حقاً، و أية خلل كبير قليلاً بالنظم البيئية أو الحيوانية كافي بالقضاء على أعداد كبيرة منا أو حتى دفعنا للإنقراض، و بالوقت الحالي لا يوجد نظام بيئي واحد مستقر أو يتحسن بل جميعها تفسد بسرعات مختلفة، لذا بكوننا أذكى الكائنات، كيف يمكننا تغيير حماقاتنا ؟، هذا الدمار الذي نصنعه، أهو دمار قابل للإصلاح ؟، و كيف ؟، عن هذا يُستكمل الحديث لاحقاً بإذن الله.


* الصورة من تصوير سارة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: