أن نبني أو لا نكون.


قبل قليل كنت أشاهد فيلماً تسجيلياً عن بناء مبنى تم إنهاءه في أحد الدول العربية منذ فترة قصيرة نسبياً، و خلال المشاهدة لفت إنتباهي أن المبنى الذي يفترض به أن يكون رمزاً عربياً، مبني بالأساس و بالمجمل على جهود و أيادي أجنبية، بداية من تصميمه إلى بناءه، و من مواد بناءه الخام إلى تجهيزها، كل جزء بالمبنى عليه بصمة شركة أوروبية ما، فأثار بي هذا تساؤل : أبناء كهذا، يُحسب لنا، أم علينا ؟


إن نظرنا للتاريخ، سنجد أن فقط الحضارات العظيمة هي ما خلفت أبنية يتم تخليدها، و إن دققنا النظر أكثر، سنجد أن تلك الأبنية بالحقيقة تعبر عن براعة تلك الحضارات و تجسد كيانها، و لأن تلك الأبنية مستمدة من الحضارة التابعة لها، فبُنائها و مهندسيها أيضاً مستمدين من تلك الحضارة، أي أنهم مواطنين بالنظام الذي يرعاها، لكن حين نبني بناء بأيدي غيرنا، بتصاميم غيرنا، و حتى بمواد غيرنا، ما الذي بقى بالبناء لندعي يوماً ما أنه رمزاً لنا ؟


حين وضعت مزيد من التفكير في هذا السؤال وجدت أن كل مبنى مميز تم بناءه في أي دولة عربية، و ليس فقط المباني، بل كل مشروع مميز تم القيام به بدولة عربية من بعد إنتهاء الحضارة الإسلامية، يكون أساس المبنى أو المشروع ليس عربياً، بالرغم من أننا بقايا حضارة حقيقية انشأت ما أرادته بأيدي مواطنيها، إلا أننا اليوم لا نقوم بشيء يعلو عن إرتفاع كذا أو طول ذاك إلا بوضع الكثير من الأموال لكي يلتقطها مبدع أجنبي ما و يقوم بالعمل بأكمله من أجلنا، ثم يمنحنا مفتاحه لنمارس أرجحته كأنه لنا حقاً، لكن ليست صناعة المفتاح كشراءه.


إعتمادنا كدول عربية على تصدير المواد الخام لدفع الدم في شرايين إقتصادنا أنهى ببعضنا إلى دوامة الموازنة بين عدم إغراق الأسواق العالمية للحفاظ على السعر، و عدم كفاية ما يأتي من هذا السعر للشعوب بتلك الدول، أما البعض الآخر فقد أصبح كأراض إيجار، حيث تستطيع أن تكون الشركات العالمية بموقع أقرب من حيث تأخذ المواد الخام و تبيعها مرة أخرى بعد تصنيعها، و بين البعضين لا أضع إستثناءاً لأي دولة عربية، لكن عن النوع الثاني أتحدث أكثر، فالنوع الثاني هو النوع الذي يتاح له غالباً توفر أموال كافية لكي يصبح كمالك أرض يؤجر المزيد منها بإستمرار ليحصل على ما يكفي من الأموال التي تتيح له الإستعانة بمن أجر لهم أراضيه ليبنوا له مباني يؤجرها لهم، أليس هذا أبعد ما يكون عن الحضارة و أقرب ما يكون للإستعباد الإقتصادي ؟


كل هذا التفكير في مدى فخرنا بطاحونة لسنا صانعيها بل فقط العاملين حديثي العمل بها ذكرني بنسب رأيتها منذ ما يقرب عام، النسب تتعلق بالتكوين السكاني لأحد الدول العربية، فنظرت إلى النسب مرة أخرى الآن لأجد أن أقل من 20% من سكانها يحملون جنسية الدولة، أما الأكثر من 80% الباقية فهم أجانب عن تلك الدولة، يقومون بالكاد بكل شيء بها، بداية من دق مسمار إلى إدارة شركة كبرى، هذا و إن رآه البعض كسبب للفخر، فأنا أراه داعي للخجل، فلا فخر في الإعتماد على الغير و إن ملكت أموال الدنيا، بل الفخر في أن على الأقل تطهو طعامك و إن كنت أفقر من بالعالم، لكن حين يكون الحال كهذا الحال، لا عجب في أن نرى مثل هذا الفخر بما لا نبنيه، فبالأساس نحن كعرب نفخر بما لا نقوم به بمجالات عدة أخرى، لا أخص بالذكر فقط هذه الدولة أو تلك، بل أتحدث عن الدول العربية عامة و منها حيث أنا أيضاً، دولتي التي يوجد بها مثل هذا تلك المباني، و مثل هذا الفخر.


أود لو أستطيع فعلاً الإبتعاد عن جلد الذات هذا، لكن أحياناً يتخطى الأمر قدرتي على السكوت، هذا السكوت الذي أمارسه لعلمي أن الحلول أكبر من أن تستوعبها مجتمعاتنا فيما يُمكن أن يمتد إليه بصري في المستقبل، لكن ما أضع أملي فيه، ما أتمنى أن يحدث يوماً ما، أن على الأقل يتحول النوع الثاني من حالته التي تشبه بقعة كانت محظوظة بشكل كافي ليتم إختيارها من الغرب لتكون بوابته إلى شرقنا، أن يتحول من هذا إلى قوة حقيقية عبر التعلم لا الشراء، أن يتحول إلى كيان قائم بذاته، إلى ما يمكن تسميته حقاً دول ذات سيادة.

Advertisements

4 تعليقات to “أن نبني أو لا نكون.”

  1. لون التوت Says:

    “أعط الخبز لخبازه ولو أكل نصفه”
    وبما أننا جميعا عاطلون عن العمل فعلينا ان نستجـ…أقصد نستأجر من يخبز لنا, أو نبقى جوعى! D:

  2. FAR...CRY Says:

    هذا الذي يحدث، فقط لا نأتي بعد هذا الإستئجار و نرفع الخبز عالياً قائلين بفخر : أنظروا ماذا نملك :D

  3. لون التوت Says:

    ياليتنا نكتفي بقول “انظروا ماذا نملك!” بل نريق ماء وجهنا كله ونقول : أنظروا ماذا صنعنا! XD

  4. FAR...CRY Says:

    أقتبس من تعليق صديقة : شفت المسخرة!
    رحم الله من علم قدر نفسه، و بهذا الحال سنترحم على إقتصادنا عما قريب أيضاً xD

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: