في ظلال النقص البشري.


نحن، السلالة المسماة البشر، كائنات يميزها من بعد التركيب الدماغي و عدم إستخدام اليدين في السير، أنها تعيش بأبنية إجتماعية، أبنية تعتمد على الأسرة كوحدتها الأساسية، و الأسرة بالبشر كما هي بسلالات أخرى عديدة تتكون عادة من أب، أم و أطفال، و تتجمع الأسر معاً لتشكيل قبيلة، أو سرب، أو أياً كانت التسمية، مما يوفر للأفراد حماية أكبر، مشابهون بهذا أيضاً سلوك كائنات أخرى عديدة، و مخالفون سلوك كائنات غيرها تميل للحياة كأفراد بلا روابط إجتماعية سوى التزاوج الموسمي.


هذا السلوك الإجتماعي الطبيعي للبشر عبر عشرات الألفيات تطور لما نحن عليه اليوم، و تطوره لم يكن بالحقيقة إنتقالاً لمستوى آخر بقدر ما كان زيادة تعقيد ما هو موجود، و أعني بهذا زيادة أنواع الروابط التي يُمكن أن تربط أثنين من البشر، و لما كانت الخصلة الإجتماعية بنا نابعة عن النقص و الحاجة للآخر بالأساس، فقد أنتقلت ذات الخصلة لكل روابطنا الإجتماعية المتفرعة عن الحاجة الرئيسية.


و أعني بهذا أن جميع العلاقات نفعية، جميع العلاقات التي يملكها أياً منا سواء كانت صداقة، حب، زواج، عمل، و إلى أخر القائمة، هي علاقات قائمة بسبب إستفادتنا منها، و مقدار الإستفادة يُشكل مقدار الإعتماد على شخص ما في تكفية حاجات معينة، أو بإختصار، يُشكل المشاعر، أي أنه حين يقول شخص ما : أحب ذاك الشخص. أو : هذا الشخص صديقي. أو إلى غير ذلك، يمكن وضع ترجمة طويلة لما يعنيه بالتالي : هذا الإنسان يمنحني بعض ما ينقصني ، و هو بهذا يغنيني عن هذا النقص، مما يجعلني بحاجة له كي لا أعود إلى النقص، و إحتياجي له كي أستفيد منه يقابله بعض المنح مني له كي يستفيد مني أيضاً، و إلا فلن يبقى، عملية الإستفادة و المنح تلك نسميها بأسم شعور ما.


و بهذا الشكل فالروابط الإجتماعية بين البشر هي روابط قائمة على الذات أولاً ثم الجانب الآخر بالرابطة ثانياً، و هذا يدفعنا لعدة إستنتاجات منها أن أي رابطة إجتماعية تشكل ألماً يفوق الإستفادة أو إزدياداً بالإحتياج لدى أحد طرفيها هي رابطة مستحيلة، فالروابط تنشأ فقط لسد النقص و الإستفادة، و عدم تحقيقها لهذا الشرط لدى أحد طرفيها يُشير إلى أنها علاقة غير قائمة، أي أنه حتى إن تواجدت فتواجدها سيكون لحظي، و يتبعه إنكسارها.


و يتمثل إستنتاج آخر في خيط يساعد على فهم العديد من أنماط العلاقات الإجتماعية، فهناك أنماط ظاهرها يبدو أنها لا تعود بالنفع على أحد طرفيها، و حيث أن هذا يخالف القاعدة، نفحصها أكثر لنجد أن الظاهر يخالف حقيقتها فما هو ظاهراً كضرر لأحد طرفيها هو بالحقيقة نفع من نوع مُركب، يتمثل في تغذية الشعور بالبطولة، أو التضحية، أو الشفقة على الذات، أو تبرير الفشل، و ما شابه تلك المنافع التي تعتمد على تعويض نقص ما حتى و إن كلف ألم بالمقابل، ألم، كما بالقاعدة أيضاً، يقل درجة عن النفع المُتلقى.


و بالرغم من أننا خلال عملية تطورنا تلك نشأ بنا مفهوم إحتقار التفكير النفعي، إلا أنه لا داعي للخجل من كون جميع روابطنا الإجتماعية قائمة على النفع فتلك طبيعتنا، نحن لسنا آلهة، و النقص متأصل بنا إلى حد لا يمكن إنتزاعه، هذا النقص الذي في ظلاله نضطر أن نكون سلالة نفعية إجتماعياً.

Advertisements

4 تعليقات to “في ظلال النقص البشري.”

  1. دمية Says:

    في يوم رأيته فِيّ، كان العالم متورّماً، والاحمرار أعلى وجنتيه _ لم أعلم، أكان هذا حزناً أم حبَّاً أم حاجة . . كان شيئاً يرغب في مسّي لأحمرّ أنا أيضاً . .
    تناول يدي بلكتا يديه، رافعاً ذقنه المُلتحي، وجهه الأبيض، عيناه الصغيرتان بـ: أمل، أمل، أمل . .
    وقال بجزء مجوّف من صدره _ تبيّنت هذا بسبب انكماش قميصه للداخل بشكل أكثر من المعتاد:
    ’’أنا ناقصٌ . . ناقص‘‘ .

  2. FAR...CRY Says:

    كغزير فقد يقولها، و يدفعه بكِ، أنتِ في أركان عقلكِ خلافاً لذاك الوقت أخبركِ
    رماديون نحن، و أولاً لأجلنا نبحث عن الإحمرار، و حتى مع أننا : نحن ،،
    أمل، أزدرينا أحياناً.

    لقلبكِ الصغير ورد أبيض.

  3. 77math Says:

    أوافقك – آسفة مرغمة لا يد لي – تمامًا.

  4. FAR...CRY Says:

    أنا ذاتي أوافق نفسي رغم عني، فكم اكره الإعتراف بهذا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: