أثر فراشة.


يُحكى أن ذات يوم، كانت هناك فراشة حُلوة، تطير في أحد جوانب العالم، فسببت إعصاراً في جانب آخر.


تأثير الفراشة هو مصطلح مبسط لمصطلح أشد تعقيداً هو : حساسية الإعتماد على الظروف الأولية. و هو مصطلح يدل على أن الناتج النهائي لمسألة ما يتأثر بشكل ضخم بالظروف الأولية للقضية، مثلاً أن أي فرق و لو شديد الضآلة في نقطة إنطلاق جسمين -كأن يفصل نقطتي الإنطلاق أقل من عُشر ميليمتر-، قد يجعل كل جسم منهما ينتهي في مكان مختلف تماماً عن الآخر، أو، كمثال آخر، تلك الفراشة المسببة لإعصار، حدث متناهي الصغر، ينتج حدثاً شديد الكبر.


هذا التأثير، بالرغم من نبوعه من رياضيات نظرية الفوضى، إلا أنه يدفع بالتفكير إلى جوانب أخرى عديدة، منها مثلاً نتائج أفعالنا البسيطة بشكل يجعلنا نظن أن لا تأثير لها على الإطلاق، و بهذا أيضاً هناك العديد من الجوانب، كنتيجة قول كلمة بسيطة تغير بها من شخص، أو تقديم صدقة تنقذ بها طفل، أو، على نمط الفراشة، رمي كوب بلاستيكي تسببت به بإعصار.


إستحالة الأخيرة هي فقط وهم يتم تربيتنا عليه بشكل لا واعي، و هي تمثل واحداً من مئات التصرفات اليومية التي نقوم بها بلا مبالاة مطلقة، غير مدركين لمدى فظاعة تأثيرها الأشمل، و الذي يتطلب نظرة عامة غير متواجدة عند أغلبنا، فحين تشتري مثلاً كوب قهوة صباحي، ثم حين تنهيه تلقي الكوب في أقرب سلة مهملات، تنتهي مشكلة الكوب بالنسبة لك عند هذا الحد، تعتبر أن رميه شكل تخلص نهائي منه، لا تفكر و لو للحظة فيما سيؤثر هذا الكوب، و في حين تريح أنت عقلك، يُرهق عقل البيئة.


فبعد رميك للكوب، يتجه الكوب ليتشارك مع ملايين الأكواب و المهملات غيره في أكوام ضخمة من القمامة، أكوام يتم التعامل معها غالباً بالحرق، ليرتفع منها سنوياً أطنان لا تحصى من الغازات المسماة غازات الصوبة، و هذا بسبب تأثيرها على طبقات الغلاف الجوي بشكل يجعله يحتفظ بالمزيد من الحرارة، مثل ثاني أكسيد الكربون، و هذا الإحتفاظ بالحرارة يرفع من درجة حرارة الأرض، مما يزيد من فروق حرارة المناطق المختلفة بالهواء، و هذا يزيد من فروق الضغط الجوي بين تلك المناطق، فتزيد الرياح قوة، فتنتج أعاصير أكثر تدميراً من أي أعصار شهدناه سابقاً، كإعصار كاليفورنيا الأخير، و قد تقول، لكني رميت فقط كوب واحد، لكن فكر، حين يقول مثلك مئات الملايين من البشر، يصبح العدد مئات الملايين من الأكواب المهملة، يومياً، بسبب حدث يستغرقهم فقط دقائق قليلة لفعله.


و لكي نستمد مثال من الواقع، أخبرك قصة قصيرة عن منطقة Yellowstone بالولايات المتحدة، تلك المنطقة تم إعلانها محمية طبيعية بالأول من مارس عام 1872، و كانت تحتوي على آلاف الأنواع من الكائنات و منها الذئاب، و من خلال الزوار -بفترة عدم تحريم الصيد-، ثم من بعدهم من خلال الجيش الأمريكي، تم قتل ما يقرب من خمسمائة ذئب، و مع إختفاء الذئاب بدأت أعداد الأيائل بالتزايد بسبب عدم وجود عدو طبيعي يحد من أعدادها، و مع هذا الإزدياد إزدادت أيضاً الحاجة لغذاء نباتي لتلك الأيائل، فبدأت الأشجار و الشجيرات بالإختفاء، و بعض تلك الشجيرات كانت تمتد على جانبي أحد الأنهار بالمنطقة، محافظة بهذا -عبر جذورها- على تماسك تربة الضفتين، فتسبب ذهابها بضعف التربة و بدء إنجراف الضفتين و إرتفاع مستوى قاع النهر إلى حد ظهور جزر رملية صغيرة به، مما أذى الحياة السمكية التي تعتمد عليها الدببة و حيوانات أخرى، كما تسبب إختفاء الأشجار أيضاً في إختفاء القنادس التي لم تجد خشباً لبناء مستعمراتها، و ضياع مسكن آلاف الطيور و الكائنات الأخرى، بقتل خمسمائة ذئب حدث كل هذا.


مما سبق من أمثلة، أدعوك لأن تكن أكثر علماً بالصورة العامة، أن تفكر في الأفعال البسيطة التي تستطيع ببساطة شديدة تحسين طريقة قيامك بها، لا فقط الأفعال السابقة، لا فقط الأفعال المؤثرة على البيئة، لكني أخص تلك الأفعال الأخيرة لأنها حتى إن لم يقع صداها عليك، فسيقع على أولادك، أو بأقصى تقدير، على أحفادك.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: