الموت حياة.


الحياة هي أحد الأمور القليلة التي لمجرد التفكير بها تدفع بدمعة إلى عيني، هذا لأن عظمتها، إعجازها، و تشابكها يثير شعور بالصِغر و الضآلة أمامها، و لا أعني حياتي أو حياتك، بل أعني الحياة، ككلمة تعبر عن كل كائن حي على الإطلاق، حين أقولها، أتصور بذهني بداية من الكائنات وحيدة الخلية في قطرات المياه، إلى الحيتان الضخمة التي تجوب الأطلنطي و الهادي، لكن ما يشوش هذا التخيل، ما يقلل من عظمة الحياة، هو هذا النمر المضطر إلى إصطياد تلك الغزالة ليعيش، أو الجاموس الذي يجب عليه أكل الحشائش كي لا ينهشه الجوع، أو حتى فقط عصفور ضئيل جاء أجله، أسفل شجرة، ميت، ما اكرهه ليس فقط القتل، بل الموت عامة.


لكني بالمقابل أعلم أن القتل و الموت شيئان لا يمكن تمييزهما عن الحياة، كلمة حياة تشمل ضمنياً بداخلها الحاجة لكلاهما، أو على الأقل، نوعية الحياة التي نمتلكها بهذا الكوكب تفعل، إلا أن فكرة أن يكون الكائن، ثم لا يكون، أن ينتهي وجوده هكذا إلى لا شيء، إلى مجرد عدم، و أن يكون المسؤول عن هذا الإنتهاء بكثير من الأحيان كائن آخر، أن ينهيه كي يتغذى عليه و يستمر هو بإمتلاك وجوده، فكرة حقاً لا أستطيع قبولها، أجدها بشعة إلى حد كبير، تنتزع الكثير من جمال لفظة الحياة.


دفعني هذا للتفكير بأسس هذا النظام المسمى حياة للإجابة عن سؤال : لمَ الموت جوهري جداً بالحياة ؟، أو أيمكن أن تتواجد حياة لا تتطلب الموت ؟، و للحصول على إجابة، أخذني تفكيري لأعمق مما تخيلت، لأساس كوننا ذاته، في تسلسل أجده مثير للإهتمام لكيف أن الموت ليس فقط جوهري بالحياة، بل جوهري بالكون ككل، و ربما يتطلب الأمر كون آخر بالكامل كي نحصل على حياة بلا موت.


يبدأ التسلسل بأن الحياة تتطلب التغذي للحصول على الطاقة، سواء كانت تلك الحياة بيولوجية خلوية كالحياة بكوكبنا، أو معدنية، أو أي تركيب ممكن آخر، فهي تتطلب الحصول على طاقة بطريقة أو بأخرى، و الحصول على طاقة يتطلب موارد، موارد يوفرها الموت و القتل، و كذلك يحافظان على إنتظام إستهلاكها، و ضرورة الحفاظ على إستهلاك الموارد ضرورة بسبب محدودية الموارد و كونها قابلة للإنتهاء، لكن كوننا يحوي الكثير جداً من المادة، مادة و إن كانت محدودة، إلا أنها تكفي لتغذية حياة كالتي بكوكبنا لآلاف بلايين السنين، فلمَ الموارد محدودة ؟


الإجابة مرتبطة بقواعد نشوء الحياة، فالحياة تنشأ من تشكل جزيئات كيميائية معقدة مبنية على مواد معينة كالهيدروجين أو الكبريت أو النيتروجين أو الكربون أو غير ذلك، و يتطلب نشوء تلك الجزيئات المعقدة تواجد تلك المواد بحالات معينة حيث لا تكون شديدة الحرارة أو شديدة البرودة، كما يتطلب الأمر تواجد تلك المواد بمكان غني بمختلف المواد الأخرى أيضاً، و يجب على هذا المكان ألا تكون جاذبيته شديدة القوة فتمنع تكوين المزيد من الجزيئات المعقدة، و كذلك ألا تكون شديدة الضعف فتلغي خصائص مهمة كتوفر المحيط الغازي الذي يحافظ على درجة حرارة مستقرة.


كل تلك الظروف و غيرها تحدد أساليب نشأة الحياة، فتحذف من قائمة المواقع المحتملة أغلب ما بها، فلا النجوم بأنواعها مناسبة لنشأة الحياة على سطحها، و لا الكواكب الغازية أو الكويكبات كذلك -سوى أشكال الحياة البسيطة-، و لا يتبقى بالقائمة سوى الكواكب الصخرية، بشرط أن تمتلك درجة حرارة مناسبة، و الأهم لموضوعنا، ألا يكون الكوكب شديد الضخامة كي تكون جاذبيته في حدود معقولة.


مما سبق نجد أن الحياة لكي تنشأ يجب أن يتوفر لها كوكب صخري صغير نسبياً، و هذا ذاته سبب محدودية الموارد، نظراً لأن الحياة لا يمكنها أن تنشأ إلا من جزيئات كيميائية معقدة و هشة التوازن، جزيئات لا يوفرها الكون بالفوضى الشديدة على أسطح النجوم أو عدم الإستقرار العالي في الكواكب الغازية، فنجد أن النجوم مثلاً لا تستطيع إمتلاك مخ، لا تستطيع سوى مثل تلك الكواكب الصغيرة المحدودة الموارد أحتواء كائنات تمتلك مخ نظراً لتعقيد المخ الكبير، و لكن هذا المخ، أو تلك الحياة التي توفرها هذه الكواكب، تتطلب القتل و الموت لموازنة الموارد، و ضرورة القتل و الموت تلك ليست بشكل يعتمد على نوعية الحياة، بل إن أي حياة نشأت أو ستنشأ بكوننا ستتطلب الموت بشكل حتمي، و السبب هو الكون ذاته.

Advertisements

2 تعليقان to “الموت حياة.”

  1. noor Says:

    amazing

  2. FAR...CRY Says:

    أشكركِ نور : )

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: