التطور : 3. أكثر من بكتيريا.


من بعد المرور بشكل سطحي على أدلة نظرية التطور، أنبثقت الحاجة لعرض أشد دقة لأدلة أكثر إحكاماً تثبت التطور، و لهذا أتناول هنا واحد من أقوى تلك الأدلة، لكن يجب ملاحظة أن بالرغم من تركيز التالي على الكائنات المجهرية، أنه لا يشكل نوعية الدلائل الوحيدة على النظرية، فهناك نوعيات أخرى تتمثل في الحفريات، و في الدراسات الجينية، و كذلك أدلة عقلية، لكن هنا نتناول نوعية أكثر إحكاماً غير قابلة للتشكيك.


و هي الأدلة المتعلقة بالكائنات الحية المجهرية، تلك الكائنات لصغر أعمارها و غزارة تكاثرها يحدث لها التطور بشكل أسرع من الكائنات المتعددة الخلايا الضخمة مثلنا، و قد قام العلماء برصد هذا يحدث في الطبيعة، كما قاموا بتجريبه معملياً بذاتهم، الحديث هنا عن الجانب المعملي لكونه مثبت تماماً و لا يوجد ثغرة للشك به، لكن بالبداية أذكر الجانب الأول، ما يتم رصده بالطبيعة.


أذكر أولاً الفيروسات بالرغم من كونها حمض نووي فقط بلا خلية كاملة حوله، الفيروسات تعتبر أسرع الكائنات تطوراً في عالمنا، ففيرس كالأنفلونزا يتطور كل عام عن العام السابق له، و الدليل أوضح من شمس منتصف النهار، كل عام تهاجم الأنفلونزا أجسادنا، فتقوم أجسادنا بصنع مناعة ضدها، أو يتم تلقيحنا تلك المناعة قبل أن تصيبنا الأنفلونزا، لكن أياً كان سبيلنا لإكتساب المناعة، بالعام التالي تتطور الأنفلونزا لشكل آخر لها، و تصيبنا من جديد، و تقف مناعة العام الماضي عاجزة أمامها و نظل مرضى إلى أن يكون جسدنا مناعة جديدة مناسبة لها.


و بسبب هذا التطور المستمر بالأنفلونزا، ظهرت بالمائة عام الأخيرة أمراض لم تكن موجودة سابقاً، ففيرس الإيدز هو بالحقيقة فيرس أنفلونزا تطور ليهاجم النظام المناعي بدلاً من النظام التنفسي في فترة ما بين عام 1975 و 1980، أي أنه لم يكن موجوداً سابقاً، لا أقول أنه لم يكن مكتشفاً، بل لم يكن موجوداً، نوع آخر من التطورات التي أذتنا بقوة من فيرس الأنفلونزا هي الأنفلونزا الأسبانية، التي قتلت ببداية القرن الماضي ملايين البشر بالرغم من أنها مجرد فيرس أنفلونزا، كهذا الذي يصيبنا كل عام، لكنها بهذا العام تطورت لشكل لم تستطع أجسامنا تشكيل مناعة ضده، تطور آخر للأنفلونزا نراه حديثاً بأنفلونزا الطيور، و التي تطورت لأنفلونزا الخنازير، أمام أعيننا، و مازال العالم في خوف من أن تتطور إلى نوع يستطيع الإنتشار بين البشر.


هذا عن الفيروسات، لكن لنأخذ البكتيريا لكونها كائنات حية خلوية، أي أنها خلايا كاملة، بعض البكتيريا تصيب البشر بالأمراض، كبكتيريا الملاريا مثلاً، و بالمقابل يقوم البشر بصنع مضادات لتلك البكتيريا، لكن ما حدث عدة مرات بعدد من الأمراض البكتيرية هو أن المضادات بكل بساطة تتوقف عن قتلها، بعد إستخدام البشر الكثيف لمضاد ما، تبدأ البكتيريا بالتطور لكي تصبح ملائمة أكثر لتلك الظروف، و ينتهي بها الأمر إلى توقف تلك المضادات عن قتلها، فنضطر لتطوير مضادات أخرى، و تتطور البكتيريا و تتأقلم من جديد، إلخ.


لكن لكي نتناول مثال أشد دقة، مثال شديد الدقة حقيقة، نأخذ التجربة المسماة تجربة لينسكي، عام 1988 بدأ ريتشارد لينسكي تجربة على نوع بكتيريا يسمى E. coli، هدف التجربة هو دراسة التطور خلال حدوثه، التجربة بدون الدخول في تفاصيل متخصصة مبنية على وضع تلك البكتيريا بوسط غني بمادة لا تستطيع التغذي عليها، بسبب أن تلك المادة لا تعبر خلال الغشاء الخلوي لتلك البكتيريا، بينما يوجد بهذا الوسط مادة أخرى ذات تواجد أقل تمثل الغذاء الطبيعي لتلك البكتيريا.


حتى الآن مر على التجربة 22 عام، خلال تلك الأعوام أنتجت التجربة ما يقرب 50 ألف جيل من البكتيريا، أي بالمقاييس البشرية -إن كانت أجيال بشرية- هذا حوالي 2.5 مليون عام، وخلال تلك الأعوام تم رصد عشرات التطورات الواضحة، و التطورات الواضحة هي نتيجة ملايين التطورات الصغيرة التي كان بعضها ناجح و بعضها الآخر فاشل، بعض التطورات المرصودة تتمثل في زيادة معدل التكاثر في بعض المستعمرات البكتيرية -التجربة تقوم على 12 مستعمرة منفصلة-، بعض المستعمرات الأخرى أكتسبت فيها البكتيريا حجم أكبر، و غير ذلك كثير، خلال كل تلك المراحل يتم بشكل دوري أخذ عينات من كل مستعمرة و تجميدها للرجوع إليها حين الحاجة.


لكن التطور الأكثر أهمية على الإطلاق، هدف التجربة الأساسي، تم رصده منذ عامين، و هو تتطور البكتيريا لنوع يستطيع التغذي على المادة المتواجدة بكثرة في وسطها، أعود للتأكيد هنا أن نوع البكتيريا المستخدم يميزه أمر واحد، و هي إستحالة تغذيه على المادة المتوفرة بغزارة، هذا النوع لا يستطيع التغذي عليها، لا أقول أنه لا يتغذى عليها، بل لا يستطيع، لا تمر من جداره الخلوي، ثم، بعام 2008، تطورت تلك البكتيريا لنوع آخر يستطيع التغذي على تلك المادة، الجدار الخلوي يسمح بمرورها، تلك البكتيريا الجديدة تمثل نوع آخر له حمض نووي مختلف عن النوع الأول، و الإختلافات الوصفية تتمثل في قدرته على التغذي بالإضافة لحجمه و معدل تكاثره.


و لزيادة التأكد، إستعاد القائمين على التجربة العينات المجمدة، و لم يجدوا أي أثر لهذا النوع الجديد في العينات السابقة للجيل رقم 20000، و أثبتت مزيد من الفحوصات الدقيقة أن هذا النوع الجديد قد بدأ بالظهور في منطقة ما بين الجيل 31000 و الجيل 31500، التجربة مازالت مستمرة لرصد المزيد من التطورات، و مازالت تأخذ بشكل مستمر عينات لتجميدها لكي تمثل ما يشبه الحفريات، بقى أن أذكر أن التجربة تتم في مكان بعيد عن الإشعاع، و المستعمرات البكتيرية موضوعة في بيئة معزولة عن الهواء الخارجي و أية مؤثرات كيميائية أخرى، بإختصار، التجربة لا يوجد بها ثغرة واحدة، التجربة ببساطة تثبت التطور، تثبت أن المخلوقات لم تخلق دفعة واحدة و ألا مخلوقات جديدة تظهر، هذا لأن النوع الذي تطورت إليه البكتيريا بعام 2008 يمثل بكتيريا ليست موجودة بالأرض، ليست موجودة بأي مكان إلا بهذا المختبر، هذا تطور تام، حدث يثبت أن التطور حدث، يحدث، و سيحدث.

Advertisements

7 تعليقات to “التطور : 3. أكثر من بكتيريا.”

  1. مهند Says:

    متميز كعادتك

  2. FAR...CRY Says:

    أشكرك =)

  3. كراد يس Says:

    فالتجربه التي ذكرتها لم تبثت ان هذه البكتيريا استحدثة جينات جديده لم تكن موجوده فالحوض الجيني الخاص بها بل رئينا ظهور نوع متكيف فقط معا محيطه كما نراه فالانواع المعقده الكبيره
    بعباره اسهل هذا النوع الجديد مجرد نوع لم يخرج عن نطاق نوعه الاصلي سؤالي هل هناك جينات جديده ظهرت من خارج الحوض الجيني الجواب بكل تأكيد لا لان الحوض الجيني لا يسمح بظهور نوع جديد خارج هذا الحوض الجيني بل يسمح بتنوع فقط داخل النوع الواحد وتحكمه جينات الحوض الجيني الموجده فيه مسبقا

    • Yahia Barakah Says:

      مفهوم الحوض الجيني هو مفهوم تقريبي غير دقيق يستعمل للأحاديث المعممة عن صفات الكائنات، لكن إن أردنا الدقة، فعلى مستوى الجينات، حدث بتلك التجربة تغيير كيميائي في بنية بعض الجينات أدى لظهور تنوعات جديدة منها لم تكن موجودة سابقاً، و رغم أنه قد يقال أن تلك الجينات الجديدة ما هي إلا تنوعات من الجينات الأصلية، لكن مع حدوث تنوعات من الجينات الجديدة، ثم تنوعات أخرى، و تنوعات تالية، و إلخ، تصل بالنهاية إلى جين لا يشبه الجين الأصلي إلا بنسبة تقل عن 15% مثلاً

  4. كراد يس Says:

    اما بخصوص قولك هذه البكتيريا لاتوجد في مكان اخر على سطح الارض فهذا بسبب (العزل الجيني) كأن تقوم بتهجين نوعين من الكلاب وعندما يتزاوجا يظهر نوع جديد من داخل شجرة الكلاب وتقوم بعزل هذا النوع الجديد من الكلاب لكي تستمر سلالته بدون تخالط جيني من باقي افراد نوعه ولكن فالاصل يبقى كلب ولم يتطور الى كائن اخر هذا تنوع وليس تطور والبكتيريا التي ذكرتها ينطبق عليها الشئ ذاته فأين التطور !!!!!

    • Yahia Barakah Says:

      و مصطلح التهجين هو أيضاً مصطلح معمم، فإن هبطنا لمستوى الجزيئات الكيميائية في الجينات نجد أن حدوث تهجين كالذي ذكرته ينتج جزيئات كيميائية لم تكن موجودة سابقاً، و بهذا المنطق، مضافاً إليه ما ذكرته أنا بتعليقي السابق، تستطيع أن تقول أن ما البشر إلا كائن مهجن من سلف مشترك مع الشامبانزيات و الغوريلات مثلاً، و ما الغوريلات نفسها إلا كائن مهجن من شيء يسبقه، و إلخ، و لهذا تتطابق جيناتنا مع جينات الشامبانزيات بنسبة 99%، فكل الإختلافات الظاهرية و الجسدية و العقلية بيننا و بين الشامبانزيات تعود لجين واحد في كل مائة جين، بينما يبقى 99 جين في كل مائة جين متطابقين تماماً، و لهذا فنحن لسنا سوى “تنوعات جديدة”، بينما إن نظرت مثلاً لديدان البحر، تجد أن نسبة التشابه، إن تذكرت بشكل صحيح، هي فقط 20%، لكن نعم، حتى مع كائن قديم جداً و بسيط جداً كديدان البحر يظل هناك تشابه بين جيناتنا و جيناته، و هذا يصل بنا لأمر هام و هو أن كل تلك التسميات، من كلب و بشر و قرد و غير ذلك، هي أساساً تسميات لغوية فقط، فعلمياً و بيولوجياً تمثل مشكلة التصنيف تلك أحد أكبر المشكلات خاصة في علم الـ Zoology، و ذلك لعدم وجود أي خط واضح لأين تبدأ الكلاب و أين تنتهي، أو أين يبدأ الـ Homo Sapien كبشر مقارنة بالأنواع البشرية الأخرى تحت جنس الـ Homo، و أساساً أين يبدأ جنس الـ Homo، لأن بالواقع، كل الكائنات تفيض إلى بعضها البعض بدون حدود واضحة و محددة لكون هذا كلباً و ذلك بشراً و ما إلى ذلك، و إن قلنا أن الحدود هي مثلاً أن نحصر كل نوع بالأفراد المطابقين له جينياً، فسيصبح كل فرد من البشر هو نوع كائنات مستقل بذاته مثلاً، لأن كل مننا يحمل طفرته الخاصة، و التطابق الجيني يكاد يكون مستحيلاً، لهذا فنحن مضطرون إلى أن نستخدم مصطلحات معممة تتجاهل بعض الإختلافات في الجينات لكي نستطيع وضع تصنيفات مثل بشر و كلب و قرد و ما إلى ذلك. و بالمناسبة، بخصوص مفهوم الحوض الجيني، حوضك الجيني مثلاً لا يشتمل على الجينات الخاصة بالمظهر الآسيوي، رغم إحتواءه على الجينات الخاصة بالمظهر الأفريقي، هذا مثال لكون فكرة الحوض الجيني هي فكرة تبسيطية جداً و معممة جداً ولا تستخدم فعلياً في العلم.

  5. Amir Says:

    كل ما ذكرته يثبت حدوث التكيف على مستوى نفس النوع لكنك لا تستطيع ان تأتي بدليل علمي واحد ملحوظ ويمكن قياسه علميا ولو بالحواس العادية يثبت حدوث التطور من نوع الى نوع اخر بحسب نظرية دارون .. قد تذكر ادلة افتراضية لأحداث وقعت منذ ملايين السنين لكن هل هي قابلة للقياس ..هل رأيتها هل من دليل علمي واحد يثبت تطور الكائنات من نوع الى نوع اخر مختلف

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: