بين كونين، الوعي.


في محاولاتنا البشرية المستمرة لفهم الكون المحيط بنا أنتجنا و مازلنا ننتج نماذج تفسيرية تختلف جداً من مرحلة لأخرى، فمن تصور اليونانيين عن كون تحركه الآلهة، إلى تصور عصر النهضة عن مجرة تسبح في فضاء لانهائي خالي من أي شيء خلافها، و من الكون الميكانيكي لنيوتن إلى الكون الكمومي الحالي، دوماً أمتلك البشر في كل عصر تصور ما عن الكون، هذا التصور لا يمثل الكون ذاته، هو ليس الكون، بل هو فقط تصور عن الكون، أو ما يمكن تسميته : كونهم.


لتلك الأكوان التفسيرية عدة خصائص، أولها أن مصير جميعها هو الهلاك، فنحن في عصرنا الحالي نملك تصوراً فيزيائياً عن الكون، كوننا الفيزيائي يجعلنا ننكر الأكوان السابقة كالكون الميكانيكي في عصر نيوتن فنحن نعلم أن الأكوان السابقة جميعها خاطئة، و بعد عدة عقود من الآن سيتم نسيان كوننا الفيزيائي في طيات الماضي أيضاً، فهو أيضاً ككل الأكوان التفسيرية السابقة و التالية يمثل تصور عن الكون الحقيقي، تصور به بعض الحقيقة، لكن الجزء الذي ينقصه من الحقيقة الكاملة أضخم كثيراً من الجزء الذي يملكه، خاصية أخرى بديهية للأكوان التفسيرية هي أنها نتاج تفكيرنا في الكون، أي أنها لا تمثل الكون ذاته، بل تمثلنا نحن حين نفكر في الكون، و تلك الخاصية تقود لأخرى، هي أن جميع تلك الأكوان ليست الكون ذاته، الكون الحقيقي خارجي و يختلف عنها كثيراً، يختلف عنها جوهرياً أيضاً، فلو كان كوننا الفيزيائي يحمل إتفاقاً جوهرياً مع الكون الحقيقي لأستطعنا فهم الكون الحقيقي بأكمله، لهذا، إلى الآن لم ننتج أي كون يتفق جوهرياً مع الكون الحقيقي، لهذا فببساطة هناك أكواننا التفسيرية -و منها كوننا الفيزيائي الحالي- ، و هناك الكون الحقيقي.


العقل الواعي و حرية الإرادة أمران غير موجودان في كوننا الفيزيائي، ففقط المخ و بنيته العصبية ينتميان له، لكن الوعي و حرية الإرادة ينتميان للكون الحقيقي، و لهذا، حين نؤمن أن كوننا التفسيري الفيزيائي هو ذاته الكون الحقيقي، نضطر أن ننكر وجود العقل و حرية الإرادة، لكن في هذا الإيمان بأن كوننا هو الكون وقوع بالخطأ، فكوننا حتماً لا يمثل الكون الحقيقي، نموذجنا أو تصورنا عن الكون، أي كوننا الفيزيائي الحالي، ليس سوى تصور آخر ستتعجب منه الأجيال القادمة كما نتعجب من كون اليونانيين، و بتصديق أنه الكون الحقيقي نقر أن تصورنا عن الكون صحيح و كامل، نقر أنه لن يُطوى في الماضي و لن يتغير، نقر أنه مميز، لذا إن تم توجيه هذا السؤال لنا : لمَ كوننا صحيح و مميز ؟. ستكون الإجابة : لأننا بخلاف العصور السابقة، نحن حالياً نعرف أكثر بكثير. لكن المعرفة لا تضمن الحكمة و لا الحقيقة، فعلم الكثير لا يشير إلى أن ما بقى قليل، بل فقط يشير إلى علم الكثير، كحين نقول أن بالكرة الأرضية الكثير جداً من الذرات، هذا لا يعني أن ما بقى في الكون من ذرات عدد قليل، أعني، يبقى الكون، الحقيقة، الكل، يحوي أكثر كثيراً من هذا الكثير الذي نعلمه.


الإختزاليون و الماديون، بطغيان قوة و عظمة كوننا الفيزيائي، ينزعون إلى إفتراض أن ما لا يحتويه كوننا هو غير موجود، فيتم نبذ العقل بإعتباره خيال غير ضروري، بالرغم من أن كوننا هذا هو نتاج تفكير العقل في الكون الحقيقي، فهم بهذا يقومون برفض وجود المصور، و يعتبرون أن للصورة فقط وجود حقيقي، هؤلاء الذين يسلكون هذا الإتجاه يقعون في دوامة تنتج عن المنطق الخاطيء، لإعتبارهم أنهم بكامل وجودهم يحتويهم الكون الفيزيائي الذي بداخله يفكرون في الكون الذي يدعون أنه يحتويهم الذي بداخله يفكرون في الكون الذي، و تستمر الدوامة هكذا بلا نهاية، لا يوجد مرجع أصلي، لا يمكننا جعل الكون الناتج عن تفكيرنا مرجع أصلي لوجودنا، فهو ناتج عن تفكيرنا لا أصل له، و إن جعلناه أصل لوجودنا نسقط في تلك الدوامة، فهذا الكون الذي أنتجناه بتفكيرنا يصبح أصل وجودنا، الأصل الذي أنتجناه عبر تفكيرنا في الكون، و تتكرر الدوامة.


الوعي هو خاصية غير فيزيائية، لا يمكن تعريفها بالمصطلحات الفيزيائية، و بالتأكيد لا وجود لها في كوننا الفيزيائي، فمن المستحيل بواسطة أي طريقة فيزيائية أن نحدد إذا كان كيان ما واعياً أم لا، لا نستطيع أن نحدد هل الصخور أو الأشجار واعية أم لا كمثال، فالوعي ليس مقداراً فيزيائياً نستطيع قياسه بالطرق الفيزيائية، لكن يفترض المفكرين الذين ينكرون بشكل واعي وجود الوعي أن الوعي نوع من الخصائص الحيوية التي تظهر في النظم العصبية المعقدة، و لهذا فيجب على تلك الخاصية أن تكون فيزيائية و قابلة للتحقق التجريبي، لكن مثل هذا التحقق لم يحدث، نحن مازلنا نحاول فهم أساسيات الذاكرة و النوم، حتى الصداع لم نفهمه بشكل كامل إلى الآن، فمثل هذا الفرض يتخطى العلم بمراحل، و يدخل في نطاق الميتافيزيقا و الإعتقادات الغير مدلل عليها، هو إعتقاد لا يحويه الكون الفيزيائي، هذا الكون الذي يعتبرون أن ما لا يحتويه هي أمور لا وجود لها.


من جهة أخرى، فهذا الفرض لا فقط يدخل في نطاق ما ينكروه هم ذاتهم، بل يحوي ذات الخطأ المنطقي الذي يشكل الدوامة السابقة، فالمخ -لا العقل- يدرس المخ و هو يتعامل مع الكون الفيزيائي الذي يحتوي المخ بداخله، تلك الصورة للمخ و هو يدرس المخ هي ذاتها بناء أنتجه المخ، فهناك تكرار لأمخاخ تدرس أمخاخ تكون صور لأمخاخ تدرس أمخاخ، إلى ما لا نهاية، و هذا أيضاً لخطأ الإفتراض في إنكاره وجود الأصل، و هو ما يضطره لإفتراض أصل، و الأصل الذي يفترضه هو بالأساس نتاج أمر آخر و لا يمثل أصلاً حقيقياً فتتكون حلقة لا تنتهي، الحل يتطلب مننا الإعتراف بوجود أكثر من نوع واحد من الأمخاخ، المخ الراصد يدرس المخ الموضوعي -موضوع الدراسة-، في صورة يتم تكوينها بالمخ الواعي، العقل يحذف تلك الدوامة في صورة الوعي، العقل الواعي الذي ينتمي للكون الحقيقي يدرس المخ الذي ينتمي لكوننا الفيزيائي، أو تصورنا الحالي عن الكون.

Advertisements

10 تعليقات to “بين كونين، الوعي.”

  1. أحمد Says:

    جميل..
    لكني اضن أنك بطريقتك هاته أنت أيضا تتبع طريق الإختزاليين، عدم تمكننا الإقرار بفيزيائية العقل في الوقت الراهن لا يعني أن خاصيته أو طريقة عمله ليست فيزيائية، الكون ليس بغاية مثالية حتى يكون نتاجا لتفكيرنا، الكون حقيقة مجردة لم ينتج ولكن اكتشف عن طريق تفكيرنا
    هذا من جهة من جهة ثانية حتى لو إعتبرنا أن خاصية العقل أو الوعي ليست فيزيائية، رغم أني أرى العكس فالعديد من التجارب اليوم تظهر بكيفية غير متوقعة أن الوعي هو نتيجة بعدية لنشاط الخلايا العصبية الموجودة في الدماغ، فهذا لا يمنعنا من تجاهل مصدر هذه الخاصية ألا وهو الدماغ المادي، فبدون وظائف دماغ ناتج بطريقة فيزيائية لا يمكننا الحصول على وعي أو عقل يمكننا من التفكير والإحساس.
    تحياتي

  2. FAR...CRY Says:

    أهلاً بك أحمد، لاحظ أني لا أقول أن العقل غير فيزيائي، بل أقول أنه لا ينتمي لكوننا الفيزيائي، و كما وضحت ببداية المقال أستخدم هذا التعبير، كوننا الفيزيائي، للتعبير عن الرؤية أو التصور الحالي لكوننا، فكما تصور اليونانيين وجود كون أسطوري تحكمه آلهة متنوعة و لم يكن للثقوب السوداء مثلاً وجود بكونهم الأسطوري هذا، كذلك لا وجود للعقل مكان في تصورنا الفيزيائي الحالي عن الكون، أو إختصاراً، كوننا الفيزيائي، لذا لا أعني بتلك اللفظة الكون ذاته بل تصورنا العلمي الحالي عنه.

    إن تفضلت بقراءة المقالين الذين سأضع رابطهم في نهاية ردي هذا ستجد أني أحد هؤلاء الذين يؤمنون أن الوعي كيان منفصل عن المخ لكنه ينشأ منه، لذا فلا أقول أن الوعي مفصول بشكل كامل عن المخ، لكنه من جهة أخرى ليس مجرد الخلايا العصبية و تواصلها الكهربي فقط، ليس فقط هذا، ليس كما يعتبره الإختزاليين غير موجود.

    https://caputitis.wordpress.com/2009/07/16/%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b9%d9%8a%d8%8c-%d9%87%d8%b0%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%ae%d8%b1/

    https://caputitis.wordpress.com/2009/08/10/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d8%a9%d8%8c-%d9%83%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d8%9f/

  3. Tone Says:

    مقال محترف في فلسفة العلوم .. يستحق القراءة .

  4. FAR...CRY Says:

    أشكرك صديقي (f) ،، أتمنى أن ينال ما أكتب إعجابك دوماً.

  5. chictopia1 Says:

    you know you have a beautiful mind …………….keep it up

  6. FAR...CRY Says:

    Really glad to hear that from you, Chic =)
    You’re so nice I like the way you describe it ~~

  7. algadhbdr Says:

    قبل هذا المقال.. في بعض الأحيان.. كنت أعتقد أنك اختزالي أيضا^^”..
    أثبت خطئي.. وأثبت أيضا أني على حق بالمتابعة أكثر.. لأني أتعلم أكثر…

    فتلك الرؤية المعتادة لما يقوله العلماء تضايقني دوما.. فعندما أقرأ في كتاب مثلا.. أجد من يتحدث عن تصورات ونظريات العلماء يفترض تلقائيا أن هذه الكلمات قواعد حق.. فقط لأنها الأحدث.. نعم يعترف أنها نظريات غير مثبتة.. لكنه أيضا يوليها افتراضية تضايقني..
    بل وأحيانا في كتب علم النفس بالذات.. لا تذكر حتى أي كلمات عن أن هذه تصورات علماء…

    ،
    لكنك هنا بذلت جهدا مضاعفا في الشرح.. وكأنها كانت فرصة للتفكير والشرح في آن معا..
    ولهذا فلم يكفني مجرد الضغط على أيقونة “أعجبني”…
    فهذا المقال وتلك الرؤية تنعشني… !
    .
    .

  8. FAR...CRY Says:

    هههه أظن أنني كنت لأعتقدني إختزالي أيضاً D:

    تلك الرؤية المنتشرة عن الوعي، و المتواجدة خاصة في كتب علم النفس و الطب النفسي، تبتعد جداً عن التصور العلمي الحالي حتى عن العقل، تجدين تلك الرؤية بالعديد من الكتب الفيزيائية أيضاً، لكن بدرجة أقل إنتشاراً، و هذا لأن أغلب كبار العلماء قد أتخذوا رؤية مختلفة، بينما بقى صغار العلماء على الرؤية القديمة ذاتها.

    أما عن النظريات، فمعاملة النظرية على أنها صحيحة بشكل كامل و تعبر عن الواقع تماماً فعل خاطيء، إلا أن معاملة النظرية على أنها خاطئة بشكل كامل و لا تعبر عن أي شيء بالواقع هو أيضاً فعل خاطيء، بكل نظرية يوجد ما نعلم أنه حقاً صحيح، ما نعلم أنه قريب جداً من الصحة إلا أنه قابل للتحسين، ما نعلم أنه محتمل الصحة و محتمل الخطأ، و ما نعلم أنه خاطيء بها.

    بمقال بين النفس و علاجها أتحدث أكثر عن حالة علم النفس و الطب النفسي حالياً بالمناسبة. و أشكر لكِ تقديركِ للجهد المبذول هنا يا موون =)

  9. عاصم Says:

    أظن يا يحيى أن العقل ليس جزءا من تصورنا عن كوننا الفيزيائي الآن مثلما لم تكن الثقوب السوداء مثلا جزءا من تصورنا عنه منذ 100 عام مضت، و بالتالي فلا يوجد ما يشير إلى أن نماذجنا الفيزيائية النظرية الإن غير قادرة على تفسير ظاهرة العقل أو الوعي، أظن أنها مسألة وقت لا أكثر

  10. FAR...CRY Says:

    بالحقيقة وصلنا لعلم كافي لتفسير جزء كبير من ظاهرة الوعي، لكن مازال ذلك العلم مجهول من غالبية العامة و متجاهل من غالبية العلماء، فذلك المقال كان مقدمة للحديث في سلسلة مقالات العقل، أي أن الكون الفيزيائي الذي أتحدث عنه هنا أعني به تحديداً كون الفيزياء الكلاسيكية، أو كون التصورات أو المعاملة الكلاسيكية عن أو للفيزياء الحديثة.

    مازال يلزم بالتأكيد الكثير من الوقت لفهم أعمق من الموجود في سلسلة مقالات العقل، و إختبار لذلك النموذج المعروض فيها، لكننا وجدنا بداية الطريق، ما يهم الآن أن نمسك بها، لا أن نتمسك بتصور عن الكون كاد يختفي تماماً من العلم الفعلي، و هو ما أوضحه هنا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: