الإلحاد : فكري أم مجتمعي ؟


كل المجتمعات التي تنشأ، تموت، لا يوجد مجتمع واحد تخطى أو سيتخطى تلك القاعدة، فلا وجود للمجتمع المثالي -أو المدينة المثالية- إلا في إطار زمني محدد لا يتخطى بأفضل الأحوال مئات قليلة من الأعوام، و سبب حتمية موت أي مجتمع عاجلاً أو آجلاً هو هذا الميل البشري للإستزادة مما يُرى على أنه مُحقق للإستقرار، أو بشكل أبسط ميل المجتمعات لعدم الإستقرار في سعيها خلف الإستقرار، فحين يصل المجتمع في ميله هذا لأقصى إستقرار قابل للتحقق في النموذج المتبع، و يبقى بالرغم من ذلك في سعي للمزيد منه، تكون تلك بداية موته، هذا الميل المذكور للإستزادة نسميه الميل البشري الطبيعي للتطرف.


التطرف له صفة واحدة، و صورتين، صفة التطرف هي : الفساد. و صورتيه هما : التطرف تجاه السيطرة، و التطرف تجاه الحرية. لكن الصورتان لا تمثلان أمرين منفصلين، بل شيء واحد، فالتطرف تجاه السيطرة يُنتج التطرف تجاه الحرية كرد فعل مجتمعي طبيعي، و ذات الأمر بالعكس، التطرف تجاه الحرية ينتج التطرف تجاه السيطرة، لذا هما اشبه بوجهين لعملة واحدة، لكن يمكننا تمييز الوجه الناتج عن الوجه المُنتِج عبر النظر في مدى عقلانية كلاهم على حدة، فبالرغم من أن كلاهما غير عقلانيين حقاً إلا أن الوجه المُنتِج يكون أكثر عقلانية قليلاً من الوجه الناتج، حيث أن هذا الأخير يمثل تصدي غير موضوعي للأول فلا يكون بحاجة لأساس عقلاني مماثل.


التطرف تجاه الحرية قد يبدو غامضاً، أو حتى غير مفهوم، للوعي العام في العصر الحالي، هذا لأن الوعي العام عادة ما يُحصر في فترة زمنية معينة و يقوم بإعتبارها كل الواقع، تلك الفترة الزمنية لا تذهب لأبعد من التطرف تجاه السيطرة في عصر الظلام الأوروبي، لهذا يبدو أحد الوجهين أوضح و أقل غموضاً من الآخر، كون الوعي العام الحالي قد أختبر أحدهم فقط، إلا أنه بالعودة للتاريخ الكامل المعروف للبشرية يمكننا تحديد عصر آخر قبل ما يقرب من ألفيتين كان به التطرف تجاه الحرية هو الأكثر وضوحاً للوعي العام، كان الأكثر إنتشاراً، موت المجتمع الروماني هو واحد من أمثلة هذا العصر، بشكل عام في التاريخ المعروف للمجتمعات البشرية عامة يمكننا تحديد عصرين من التطرف تجاه الحرية، و عصرين من التطرف تجاه السيطرة، هذا بدون وضع عصرنا الحالي في أياً من القائمتين.


في تلك العصور الأربعة كان التطرف يعمل بذات الطريقة الموضحة سابقاً، حرية مفرطة يبدأ بسببها المجتمع في البحث عن النظام، يتحول النظام لسيطرة مفرطة يبدأ بسببها المجتمع في البحث عن الحرية، و هكذا بتكرار لا ينتهي، لكن بتركيز النظر على العصر الحالي نجد أن الإتجاهات الإلحادية -بإستثناء القليل الذي يمثل أصالة حقيقية- هي نتاج السيطرة المفرطة جداً، فتأتي تلك الإتجاهات بدورها مفرطة بدرجة تتناسب مع مدى السيطرة، و لأن تلك الإتجاهات الإلحادية لا تمثل كل ميل للتطرف تجاه الحرية، بل بالأدق لا تظهر إلا حين يصل هذا التطرف لمستوى معين يتصف بالقوة كصفة التطرف تجاه السيطرة المنتج له، نرى لظهورها -ظهور الإتجاهات الإلحادية- علاقة قوية بخريطة المجتمعات المتطرفة دينياً، فكلما زاد التطرف زاد التطرف المضاد له، لهذا نرى أن مجتمعات معينة دون غيرها تمتلك تركيز إلحادي أعلى بشكل واضح، و ببديهية، ذات المجتمعات تمتلك تركيز تطرفي تجاه السيطرة أعلى بشكل واضح أيضاً.


ذات العلاقة بين التركيز الإلحادي و خريطة المجتمعات المتطرفة دينياً نجد لها مثيل في عصرين من العصور السابقة بإختلاف أنها بين التركيز الديني و خريطة المجتمعات المتطرفة إلحادياً، بذكر وجود نفس العلاقة نعود لتركيز النظر على العصر الحالي، أو بشكل أكثر تحديداً على خصائص الإتجاهات الإلحادية الحالية، أول تلك الخصائص سببه أنها تمثل الوجه الناتج من العملة، لهذا تفتقد تلك الإتجاهات -بإستثناء الأصيل منها- فهم كافي لأسس الإلحاد، كما تفتقد الأساس العقلاني، كما سبق الذكر، بسبب كونها تصدي غير موضوعي للتطرف الأول، ثاني خاصية لتلك الإتجاهات تتمثل في تركيز نقدها و الجزء الأعم من إهتمامها في نقد الدين الذي يتبعه المجتمع المتطرف الذي أنتجها، بدون الإهتمام بنقد، أو حتى معرفة غيره من الأديان.


الخاصية الثالثة تتعلق بالأدوات المستخدمة في هذا النقد، فالإتجاهات الإلحادية تميل لإستخدام الأدوات التي ينكرها المجتمع المنتج لها، أو على الأقل كان ينكرها لفترة طويلة، فإن كان هذا المجتمع ناكر للعلم، يتم إستخدامه، إن كان ناكراً للمنهجية، يتم إستخدامها، إن كان هذا المجتمع يستنكر للمذهب البرجماتي النفعي، يحدث ميل للأخذ به، إن كان مستنكراً للأخلاق المثالية، تصبح جزءاً من فكر الإتجاه الإلحادي الناتج منه، و بالرغم من أن إستخدام العلم و المنهجية مثلاً يعبر عن أمور بالتأكيد و بشكل كامل إيجابية، إلا أن مثل هذا الإستخدام و الأخذ في الأمثلة السابقة لا يصدر عن فهم أو حتى إقتناع جوهري، فيندر جداً حقيقة أن تجد تابع لإتجاه إلحادي يملك حتى ما يقرب من فهم حقيقي للعلم، مثل هذا الإستخدام و الأخذ نابع من اللاموضوعية التي تسيطر على مثل تلك الإتجاهات الإلحادية في وجوب عدم إتفاقها في أياً كان مع المجتمع المنتج لها، حتى إن كان هذا على حساب قبول أمور تختلف جوهرياً مع أي إتجاه إلحادي، كقبول الأخلاق المثالية.


أحد تلك الأدوات المستخدمة في النقد لها أهمية خاصة، و هي العلم، فالعلم هو أكثر بكثير من آداة في يد تلك الإتجاهات، أو هو بالأصح ليس بالأساس آداة في يد تلك الإتجاهات، فالعلم لا ينكر الأديان و لا الوجود الإلهي، على العكس مما تظنه تلك الإتجاهات و تقوم بإستخدامه لأجله، بل يتخذ موقفاً لا أدرياً من مثل تلك الموضوعات، لا فقط الديني منها، بل الفلسفي، كالعقل، الروح، و حتى أسئلة كالسؤال عن لمَ يوجد وجود، جميعها موضوعات يعتبرها العلم بخارج مجاله، و بهذا فهو لا يقوم بإنكارها، بل فقط يذكر أنه لا يدري أي شيء بخصوصها و لا يتخذ موقفاً إيجابي أو سلبي منها، و لا غرابة في هذا فالطب مثلاً يعتبر تكوين نواة الذرة بخارج مجاله، و لا يعني هذا أنه ينكر -أو يقبل- وجود تكوين لنواة الذرة.


لذا بشكل عام نجد تلك السمة الذاتية في التطرف المفرط تجاه الحرية المتمثل في الإلحاد حين يكون هذا التطرف ناتجاً عن تطرف سابق له، ذات تلك السمة نجدها أيضاً في العصور السابقة في التطرف المفرض تجاه السيطرة المتمثل في التشدد الديني حين يكون هذا التطرف ناتجاً لتطرف سابق له، إلا أن النظر تركز هنا على الحالة الأولى كجزء من التركيز على النظر للعصر الحالي.

Advertisements

6 تعليقات to “الإلحاد : فكري أم مجتمعي ؟”

  1. Tone Says:

    فعلاً الإلحاد يميل لكونه نتاج لقضايا مجتمعية أكثر من كونه نتاهج لقضايا فكرية .. يذكرني مقالك بعبد الله القصيمي عندما تحول من متطرف مذهبي إلى ملحد كاره للأديان . لقد عاش بعقلية التطرف في كل أحواله .

  2. FAR...CRY Says:

    كم يدلل هذا الشخص على كون نوعي التطرف لهما أصل واحد و لا إختلاف بينهما في الحقيقة، فها هو شخص يجمع في حياته كلا النوعين، بدون أن يعيش إعتدالاً.

    صديقي، تقديري لوجودك (f)

  3. Mariamah Says:

    كيف يكون الإلحاد نطرفًا مفرطًا تجاه الحرية؟

  4. FAR...CRY Says:

    تعلمين كيف يقوم البعض بالإتجاه ناحية الحرية بعد أن يعيشوا في تطرف تجاه الدين، فيكون إتجاههم تجاه الحرية هذا مبالغ فيه كشخص يبلغ كل من يلتقيه بالشارع أنه يفعل كذا و كذا، فقط لكي يشعروا أنهم أحرار ؟

    هكذا يكون الإلحاد المجتمعي تطرف تجاه الحرية، لا أقول أنه حرية حقيقية و زائدة، فكل ما هو تطرف يخرج عن طبائع الأمور، التطرف تجاه الحرية يكون نتاج عقد نفسية من التطرف الديني تبقى بالبعض مهما حاولوا التخلص منها، فتكون حريتهم مليئة بالقيود حقيقة، و يشعرون طوال الوقت بحاجتهم لإثباتها و إعلام الجميع بها، فيما الحر الحقيقي لا يهتم لإثبات حريته لأي أحد، حتى ذاته.

  5. algadhbdr Says:

    أمم..
    بالنسبة للخاصية الأولى..
    ما أصدقه الآن.. هو أن الإلحاد نسبته الأكبر توجد في المجتمع الأوربي.. لكني لا أعرف عن المجتمع الأوربي تطرفا دينيا نحو السيطرة.. بل أحسبه تطرفا نحو القوة والسيطرة…
    كيف إذا… ؟

    ،
    لم أفهم الجزء المتعلق بقبول الأخلاق المثالية.. في الفقرة السادسة…

    ،
    أتفق في أن التطرف يمكن له أن يكون مجتمعي..
    لكن الإلحاد أظنه مختلف.. فهو يمثل أكبر صراع مع النفس قد يتعرض له إنسان.. لأن وجود الدين أو العقيدة في حياة الإنسان هو أكبر الأشياء الأساسية المكونة لهويته..
    بالتالي.. إن وافقت على أن الإلحاد مجتمعي.. فأنا هنا أوافق بالتبعية على أن الإلحاد قد يعتبر في بعض الحالات.. أو الكثير منها كما فهمت من مقالك.. شيء ليس للإنسان تحكم كامل به.. وكأنه رد فعل للإلحاد وليس فاعلا له… كيف ذلك… ؟
    .
    .

  6. FAR...CRY Says:

    المجتمع الأوروبي كان متطرف جداً دينياً أيام سيطرة الكنيسة الكاثوليكية، و هو ما دفعه بالعصر الحديث للتطرف بالإتجاه المضاد، نيتشه تحدث كثيراً عن هذا في فلسفته عن الإنسان الأعلى.

    عن ذكري للأخلاق المثالية، فما عنيته أن الملحد المجتمعي يسعى لمخالفة مجتمعه بأي شكل من الأشكال، فأياً كان ما يقبله مجتمعه سيقوم الملحد المجتمعي بإختيار ضده ليضمه لفكره، كمثال : إن كان المجتمع يقوم على أخلاق مثالية، سيتجه هذا الملحد لأخلاق نسبية، و إن كان المجتمع يقوم على أخلاق نسبية، سيتجه هذا الملحد لأخلاق مثالية.

    و أخيراً، عن كون الإلحاد مجتمعي، فهذا لا يعني أن الإنسان لا يتحكم فيه، فالإنسان هو من يختار أن يتطرف، و كما يختار المتطرفيين تجاه الدين تطرفهم، يختار المتطرفيين تجاه الحرية تطرفهم، و رغم أن مثل تلك التطرفات تكون ناتجة عن عقد نفسية متعلقة بعوامل مجتمعية، إلا أن لكل إنسان عقل، و الأمراض أو العقد النفسية بشكل خاص، و كل العوامل المؤثرة على إختيارات الإنسان بشكل عام، لا تؤثر على إختيار القرار ذاته، بل تؤثر على النسبة الإحتمالية المصحوبة مع كل الإختيار، ثم يقرر الإنسان بذاته القيام بأحد تلك الإختيارات، تجدين بسلسلة العقل المزيد عن الكيفية البيولوجية و الفيزيائية لطريقة عمل العقل تلك.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: