العقل : 2. تفسير كوبنهاجن.


تحدثنا عن الطبيعة الموجية الإحتمالية للجسيمات، و هي طبيعة تخلق مشكلة معروفة علمياً بأسم مشكلة القياس، و هي تلك المشكلة الناتجة عن تسبب محاولتنا لقياس مكان أي جسيم في إنهيار موجته الإحتمالية، في فترة السبعينات من القرن الماضي تم تطوير تفسير لتلك المشكلة يدعى فك الترابط تم الحديث عنه مسبقاً، لكن هذا التفسير بالرغم من توضيحه الكثير، إلا أنه لا يحل التساؤل الرئيسي.


و لتوضيح التساؤل الرئيسي بشكل أعمق، لنفرض أننا نمتلك جهاز رصد، وضعناه خلف ثقب في حائط فيه ثقبين، و أطلقنا ألكتروناً تجاه الحائط، هناك إحتمال بألا يتم رصد الألكترون و يبلغ هذا الإحتمال 50%، كما أن هناك إحتمال أن يتم رصده، و هذا الإحتمال أيضاً نسبته 50%، و هذا بسبب أن الموجة الإحتمالية للألكترون تمر من كلا الثقبين بذات الوقت و يتناثر وجود الألكترون في المسارين، إلى أن يصل لجهاز الرصد الموضوع خلف أحد الثقبين فيضطر حينها لتحديد موقعه و التخلي عن طبيعته الموجية، إلا أن هذا يعني أن جهاز الرصد أيضاً يمتلك ذات النسب، أي أنه يصبح موجود في ذات الحالة المتراكبة من الإحتمالات المختلفة التي تعيشها الجسيمات، فكما أن للألكترون موضعين أو مكانين بالفضاء بذات اللحظة قبل رصده، يوجد جهاز الرصد في موضعين مختلفين كذلك قبل رصد الألكترون، و هما إما أن يشير مؤشره إلى حدوث رصد ألكترون يمر خلاله أو لا يشير لهذا، بشكل أوضح : يكون الجهاز بذات الوقت في حالة رصد و عدم رصد للألكترون، تماماً كما يكون الألكترون في حالة من المرور عبر هذا الثقب و ذاك في نفس الوقت.


يوجد مثال آخر يشبه ما سبق و هو أكثر إنتشاراً و شهرة، يعرف بأسم قطة شرودنجر، لكن عامة يكون التساؤل الرئيسي بتلك الحالة : كيف يتسبب قياسنا في إنهيار الموجة الإحتمالية حين تخرج عن نطاقها المجهري الجسيمي و تصبح موجة إحتمالية ضخمة تشمل الألكترون و جهاز الرصد معاً ؟. فحتى مع حساب تأثير فك الترابط الذي يسببه إصطدام جزئيات الهواء بإستمرار بجهاز الرصد، إلا أن هذا لا يحل التساؤل و تبقى تلك الموجة الإحتمالية، لذا فهذا التساؤل هو ما يركز عليه تفسير كوبنهاجن لميكانيكا الكم، و هو التفسير الذي قدمه العلماء الذين وضعوا أسس نظرية الكم و أهمهم Werner Heisenberg واضع مبدأ عدم اليقين الشهير، و كذلك Niels Bohr، ما يقوله التفسير أنه قبل قياس مكان الجسيم -كالألكترون-، لا يوجد معنى للحديث عن مكانه، فهو لا يمتلك مكان محدد قبل حدوث القياس، و أن ما تشير إليه الموجة الإحتمالية أنه حين نقيس مكانه سنجده هنا أو هناك، أي أن الجسيم يمتلك مكان محدد فقط حين نقيسه، أما قبل ذلك فهو لا يمتلك مكان محدد، و كذلك يعود بعد قياسه لعدم إمتلاك مكان محدد، و لهذا فقبل و بعد القياس كل ما نستطيع معرفته عن الألكترون هو ما تمثله موجته الإحتمالية، و هي قابلة للتداخل مع الموجات الإحتمالية الأخرى تماماً كأمواج الصوت أو أمواج البحر.


لذا فالتفسير لا يقول أن الجسيم يملك مكان محدد لكننا لا نعرفه فقط، بل بالأصح يقول أن الجسيم لا يمتلك مكان محدد إلا حين نقيسه!، و هذا بالحقيقة يبين لنا مدى غرابة واقع الكون في عمقه و إختلافه عن حياتنا اليومية، فما يعنيه هذا التفسير أننا حين نقيس الجسيم لا نقوم بقياس أمر موضوعي موجود بالأساس في العالم الحقيقي، بل أن فعل القياس ذاته هو الذي يقوم بصنع الواقع الذي يرصده، أن ما نقيسه لا يصبح موجود حقاً إلا حين نقيسه فقط!، و هذا ما دفع أينشتين لإستنكار هذا التفسير بالرغم من قوته و إتفاق أغلب العلماء بخصوصه، فقال : أتؤمنوا حقاً أن القمر غير موجود بمكانه إن لم يكن هناك شخص ينظر إليه ؟.


و تساؤل أينشتين هذا يوضح عمق التفسير، فالتفسير لا يتناول الجسيمات الدقيقة فقط، بل أنه كما رأينا عبر تجربة جهاز الرصد، يشمل هذا التفسير كل شيء، الجسيم، و جهاز الرصد، و القمر، و كل شيء، أن الواقع لا يصبح موجود حقاً إلا حين نقيسه، و هو ما زاد عليه Heisenberg بذكره أن إنهيار الموجة الإحتمالية لا يحدث على مستوى الجسيمات المفردة، بل يحدث على مستوى مرئي كبير، يحدث على مستوى جهاز الرصد بأكمله مثلاً، لذا فبالرغم من عدم كون جهاز الرصد صغير بشكل كافي لكي يواجه الآثار الكمومية التي تحدث على مستوى الجسيمات، إلا أنه مازال جزء من الموجة الإحتمالية، و هذا يوضح أن الموجة الإحتمالية لا تختص بجسيم واحد، بل تستطيع أن تشمل ذرة كاملة، أو جزيء كامل، أو حتى جهاز رصد مكون من ملايين الجزئيات، و هو ما يمكن وصفه بأن الموجة الإحتمالية ذات طبيعة كلية، و كذلك إنهيارها، فإنهيارها لا يحدث على مستوى فردي صغير، بل يحدث على مستوى كلي كذلك، لذا فإنهيار الموجة الإحتمالية يشير لتحقق إحتمال كلي، كإحتمال رصد جهاز الرصد للألكترون، لا إحتمال فردي يمثله إتخاذ الألكترون لموقع محدد.


تحقق الإحتمالات الكلية يسميه العلماء بتحقق سيناريو، فالموجة الإحتمالية حسب تفسير كوبنهاجن تشمل سيناريوهات محتملة مختلفة، و عند إنهيارها يتحقق أحد تلك السيناريوهات بالواقع، و السيناريو عبارة عن سلسلة من الأحداث لذا فإنهيار الموجة الإحتمالية يحقق تلك الأحداث جميعاً، كما بمثالنا، يحقق إنهيارها إما سيناريو مرور الجسيم من الثقب الأول و رصد جهاز الرصد له، أو سيناريو مرور الجسيم من الثقب الثاني و عدم رصد الجهاز له. فإن أفترضنا أن هناك شخص أسمه آدم ينتظر نتيجة الرصد و إن خرجت إيجابية سيقوم بالإتصال بصديقة له تدعى حواء، و حواء تلك إن أستقبلت الإتصال ستقوم بقتل زوجها، فنحن بتلك الحالة نمتلك سيناريو أول يتمثل في إختيار الجسيم للثقب الأول، رصد الجهاز له، إتصال آدم بحواء، قتل حواء لزوجها، و سيناريو ثاني يتمثل في إختيار الجسيم للثقب الثاني، عدم رصد الجسيم له، عدم إتصال آدم بحواء، عدم قتل حواء لزوجها، و من المستحيل معرفة هل ستقتل حواء زوجها أم لا قبل حدوث الرصد، أفضل ما يمكننا معرفته هو أنه إما هذا السيناريو أو ذاك سيحدث، لكن يستحيل تماماً تحديد ما الذي سيحدث بدون ذكر إما هذا أو ذاك، و هو المقصود بإنهيار الموجة الإحتمالية و تحقق السيناريو على مستوى كلي، أي أن كل موجة إحتمالية تمثل سيناريوهات مختلفة كل سيناريو منها عبارة عن سلسلة أحداث، و إنهيار الموجة بالقياس و الرصد يمثل تحقق سيناريو من قائمة الإحتمالات.


لكن ما علاقة كل هذا بالعقل، أو حتى المخ ؟، كل ما تم الحديث عنه حتى الآن هو أساس علمي ضروري يجب معرفته قبل نقل تلك الأمثلة و المعلومات لتطبيقها على المخ، و هذا ما سنفعله بدءاً بالمقال القادم، لكن العلاقة بدأت الآن بالوضوح، فالمخ ليس سوى جهاز رصد معقد يمتلك أدوات رصد مختلفة منها العيون و البشرة و التذوق و الحواس عامة، و لهذا فهو أيضاً يمتلك سيناريوهات محتملة مختلفة لحالاته الممكنة، بالمقال القادم نوضح هذا بتفصيل أكثر يشمل توضيح كيفية وجود موجة إحتمالية للمخ مماثلة لتلك التي يملكها جهاز الرصد بالرغم من أن المخ لا يرصد جسيمات مجهرية تمده بتلك الموجة الإحتمالية بل أن كل ما يرصده من الحجم الكبير.

About these ads

6 تعليقات to “العقل : 2. تفسير كوبنهاجن.”

  1. محمد Says:

    - إن الخصوصية التي تفرضها الحالة الكمومية تقتضي أن نقبل الدالة الموجية الكلية كواقع يعبر عن الجسيم في مرحلة اللارصد , و لكن السؤال هنا : هل اللارصد يعني اللاوجود على حسب تفسير كوبنهاجن ؟

    أعتقد بأن السؤال هنا يفتح بوابة الفلسفة , و سوف يقودنا إلى نظرية المعرفة و الانقسام حولها الذي يفضي إلى المدرسة العقلية في مقابل المدرسة التجريبية , ألا توافقني الرأي في ذلك ؟

    - أعتقد بأنني بدأت أستشف وجهة المقال القادم , و قد دوَّنت بعض الملاحظات المسبقة حول المنهجية التي أفترضها بأنك سوف تسلكها .

    تحية طيبة أيها المختلف !

  2. FAR...CRY Says:

    سؤالك الأول ممتاز حقيقة، بداية أذكر أن تفسير كوبنهاجن لا يعتبر حالة عدم الرصد أنها لاوجود مطلق، ثم أذكر أن كل التفسيرات مجبرة على إعتبار أن الموجة الإحتمالية غير موجودة وجود تام فعلاً، فنحن نعلم أن الموجة الإحتمالية لا تملك وجود فيزيائي، لا تستطيع أن ترى موجة إحتمالية تطفو في الفراغ.

    لكن بالمقابل، لا يعني ما قلته بالفقرة الأولى أن الموجة الإحتمالية مجرد تعبير عن الإحتمالات الممكنة، و إلا لما تداخلت مع الموجات الإحتمالية الأخرى أو مع ذاتها، فهي لها وجود حقيقي بشكل ما، إلا أنه ليس وجود فيزيائي، تفسير كوبنهاجن يصف هذا الوجود بالميول، فالموجة الإحتمالية حسب هذا التفسير تعبر عن ميول حقيقية لها وجود حقيقي، إلا أن التساؤل عن مكان تلك الميول أو أين توجد أو أية تساؤلات من هذا النوع هي تساؤلات خاطئة، فالميول هي مجرد ميول، فكمثال مبسط يميل شخص لتناول فطور محدد كل يوم، لا ترى هذا الميل مصاحب له في العالم الفيزيائي، إلا أن ميول تفسير كوبنهاجن أعمق من هذا، فهي كل ما يوجد حينها، لا يوجد جسيم ليمتلك ميول، بل الجسيم هو الميول ذاتها. لذا فإجابة على سؤالك، حالة اللارصد تعني اللاوجود الفيزيائي، تعني وجود الميول.

    هذا الأمر بالتأكيد يفتح الباب أمام كلتا المدرستين، إلا أن المدرسة التجريبية تضع تفسير غير إقتصادي بالمقابل، فهي تحتاج لرفض تفسير كوبنهاجن، و لهذا يوجد تفسير آخر يسمى تفسير العوالم المتعددة، و حسب هذا التفسير فكلما أنهارت موجة إحتمالية نتج عن أنهيارها عدة أكوان، كل كون يتحقق فيه إحتمال من الإحتمالات التي تواجدت بالموجة، فلك أن تتخيل عدد الأكوان التي تنبثق في كل ثانية إن صح هذا التفسير، عدد لا يحصى حقاً، ثم أن هذا التفسير قد يواجه مشكلات ضخمة مع قانون حفظ الطاقة.

    و أقول أنه تفسير غير إقتصادي لأنه لحل سؤال واحد، يفترض إفتراضات ضخمة جداً جداً أوسع كثيراً من مجال السؤال، فقط كي يجيب عليه، و السؤال لا يحتاج لكل هذا التبذير في الإفتراضات لتتم الإجابة عنه، كما أن القاعدة العلمية تشير إلى أنه بالغالب تكون أبسط الإفتراضات هي أصحها، هذا التفسير بالمناسبة يتبعه ستيفين هوكينج.

    أتمنى أن أبقى قادراً على تقديم جديد لم تتنبأ به في المقالات القادمة، إلا أنه بذات الوقت يسعدني أنك بدأت تستشف كيفية تطبيق تلك الأفكار الأساسية التي قدمت حتى الآن، و أيضاً أتمنى لك ليلة جيدة.

  3. محمد Says:

    - هل اكتملتْ الدائرة ؟!

    الوجود سيناريو كلي محتمل , و الفيزياء عاجزة عن مسايرة هذا السيناريو الكبير , فهي تكشف جزءًا منه بالقياس و المشاهدة في مجال الوجود الفيزيائي , و تترك بقية السيناريو في إطار الاحتمالات المتزاحمة و دائرة المجهول أي الوجود اللافيزيائي .

    المفارقة العجيبة هنا أن الفيزياء تدشن مرحلة ما بعد الفيزياء , التي كانتْ تنكرها أو تتخاصم معها بعض الفلسفات المادية و ذلك بالاعتماد على الفيزياء ذاتها ! و عليه هل نحن نعيش مرحلة اكتمال الدائرة , بمعنى آخر : إن المدرسة العقلية تنطلق من الداخل و تفترض بأن العقل هو المصدر الأساس للمعرفة و تثبت المجال الميتافيزيقي , بينما المدرسة الحسية تنطلق من الخارج و تفترض بأن الحواس هي المصدر الأساس للمعرفة , و تنكر أي مجال لا يخضع لهذه الحواس و بذلك تنفي المجال الميتافيزيقي .

    و لكننا الآن وصلنا إلى مرحلة مختلفة تفضي إلى التسليم بوجود لا فيزيائي غير خاضع للقياسات الحسية , و على هذا الأساس هل اكتملتْ الدائرة بعد هذه الرحلة الطويلة لـ تتوافق المدرستين على الوجود الـ لافيزيائي و بالتالي يعطي الشرعية للوجود الميتافيزيقي كحقيقة لدى المدرستين ؟!

    السؤال الآخر : هل بإمكاننا معرفيًا أن نكتشف بقية السيناريو ؟ تفترض المدرسة التجريبية تحقق جميع الاحتمالات في أكوان متعددة , و لكن ما هي المرجحات التي تدعم هذا الفرض , لأنه بدونها يمكننا أن نسلب هذا الفرض و ذلك في دائرة الإمكان ؟ و كيف يمكن لهذا الفرض أن يرهق قانون حفظ الطاقة ؟

    - يا صديقي لدي الكثير لاستثماره في إطار التفاعل بين العلم و الفلسفة , و لكنني الآن أتفاعل بين المطرقة و السندان , بين الاستعداد لاختبارات الكلية و بين دافع البحث و الإجابة عن الأسئلة الكبرى , لذا حقًا أنا لستُ في حالة مثالية و صفاء ذهني للتعبير الموضوعي , و لكنني سأحاول جاهدًا أن أتفاعل معكَ بأقل الخسائر الظرفية , و عليه أنا هنا إلى حين أن يستجد أمر آخر , النقطة الأخيرة هي أن كل هذا الاستثمار هو ثقافي لا تخصصي , فهو قابل للبناء عليه أو النقض للوصول إلى مشهد معرفي أجمل .

    تحية صادقة .

  4. FAR...CRY Says:

    المشكلة الأساسية في الفيزياء الكلاسيكية أنها فيزياء تحليلية، أي أنها تظن أن كل شيء قابل للتفسير و الفهم عبر تفكيكه و رؤية مما يتركب، و هذا ما جعلها تصنع مفاهيم عدة غير صحيحة عن العالم، و جعلها كذلك تنفي أمور لا يمكن تفسيرها بشكل تحليلي كالترابط الكمومي أو العقل، لهذا تم إعتبار تلك الأمور أنها تمثل ما بعد الفيزياء، الميتافيزيقا.

    لكن بالحديث عن الفيزياء الحقيقية، فالفيزياء الحقيقية تشمل كل شيء بالكون، لا توجد أمور خارجة عنها و لا نستطيع دراستها بها، و هي فيزياء تحليلية و تجميعية أيضاً، و لا يوجد أمامها أمور تقع بخارج الوجود الفيزيائي، لكننا مازلنا نستعمل تلك الصفة، الوجود الفيزيائي، بمعناها الكلاسيكي، لذا حين أقول أن الموجة الإحتمالية لا تملك وجود فيزيائي فأنا هنا أعني أنها لا تملك وجود فيزيائي كلاسيكي.

    من بعد توضيح هذا، أقول أن نظرية الكم تضعنا على بداية الطريق الذي في نهايته ستكتمل الدائرة، لكنها لم تكتمل إلى الآن فنحن نعلم أن هناك وجود غير فيزيائي كلاسيكياً، لكننا لا نعلم عنه أو عن طريقة عمله، و ما يؤخر تقدمنا بهذا الطريق أمران، أولهما إعتياد العلماء على التخصص، فعالم الأعصاب لا يعلم عن ميكانيكا الكم، عالم الفلك لا يعلم عن البيولوجيا، و إلخ، بينما هذا الطريق يحتاج أن نجمع معارفنا في إطار واحد كما سيتبين قليلاً من المقال القادم، و الأمر الثاني يتمثل في بقاء الكثير من العلماء في عدم فهم أو ربما رفض لفهم الكمومية حقاً، فالكمومية كما ترى تقدم أفكار ثورية جداً، و للآن مازال الكثير غير قادر على تقبلها بشكل كامل، و مازالوا هؤلاء يحاولون البحث عن فهم كلاسيكي للكمومية، فهم لا يضطرهم لقبول تلك الأفكار الثورية، يمكنك أن تعتبرهم في معاناة الخوف من التغيير. بأية حال التوافق التام بين المدرستين هو طريق مازلنا في بدايته، ما نستطيع رؤيته من الطريق الآن أنه سيرشدنا لفهم الوعي، لكن إن كنت تعني بكلمة الوجود الميتافيزيقي أمور كالله أو الروح أو ما شابه، فعلى الأقل إلى الآن لا يشير الطريق لأي من تلك الأمور، حتى الآن يشير لأمر واحد فقط : الوعي.

    لم أفهم ما الذي تعنيه بإمكان إكتشاف بقية السيناريو، لكن بخصوص المرجحات التي تدعم فرض العوالم المتعددة فهي لا شيء، لا يوجد مرجحات تدعمه، هو بالحقيقة يمثل أحد تلك الفروض التي ربما نعجز للأبد عن إثباتها أو نفيها، تماماً كفرض أننا في حلم طويل يشبه ما جاء به فيلم Matrix، بأية حال تجد في هذا الفرض أنه يفترض أن مع كل إنهيار للموجة الإحتمالية تصدر عدة أكوان تساوي الإحتمالات الممكنة، كل كون منها يحمل كماً ضخماً من المادة و الطاقة، فمن أين أتت كل تلك المادة و الطاقة ؟. يجدر بالذكر أن هذا الفرض غير منتشر بين العلماء، تفسير كوبنهاجن هو الأكثر إنتشاراً، لكن هذا أيضاً لا يعني أنه واسع الإنتشار، فأغلب العلماء العاملين في مجال ميكانيكا الكم يفضلون إتخاذ موقف سلبي من هذا الموضوع، أنهم ببساطة لا يعرفون، يميلون لإعتقاد أن الموجة الإحتمالية هي كل ما بالأمر و لا يوجد ما يحتاج لتفسيره، طبعاً إعتقادهم لا يشفي و لا يكفي، لهذا فهو موقف سلبي.

    أتمنى لك كل التوفيق في إختباراتك القادمة بإذن الله، كما أتمنى ألا يرهقك أي توتر عصبي قبلها، فقط لا تدفع نفسك أكثر مما ينبغي، و كن هنا فقط متى أستطعت و أردت، كل الخير لك.

  5. أحمد Says:

    فما يعنيه هذا التفسير أننا حين نقيس الجسيم لا نقوم بقياس أمر موضوعي موجود بالأساس في العالم الحقيقي، بل أن فعل القياس ذاته هو الذي يقوم بصنع الواقع الذي يرصده، أن ما نقيسه لا يصبح موجود حقاً إلا حين نقيسه فقط!

    لا اعرف مدى صدق هذه العبارة ؟
    تجربة الشقين تجعلنا نعرف بأن الفوتونات موجودة فعلاً قبل القياس فنحن من نقوم بإطلاقها ونشاهد التداخل بوضوح !
    والقياس لا يعمل شيء سوى تحديد مكان الفوتون الذي سيعبر منه مثلاً

  6. FAR...CRY Says:

    بل نطلق إحتمالات، إن كانت الفوتونات موجودة فعلاً طوال الطريق ما كان ليحدث تداخل، التداخل يحدث بين إحتمالات وجودها، و هو ما نقوله بصيغة أخرى أن الموجة الإحتمالية لكل فوتون مفرد تتداخل مع ذاتها.

    حين نقيس الجسيم، نلغي تلك الإحتمالات و يتم إختيار إحداها فقط، لذا فعملية القياس سواء بتجربة الشق المزدوج أو غيرها تقوم بصنع الواقع، و إن لم تحدث يستمر الوجود الوحيد هو الوجود الإحتمالي، وجود الميول، و هو جزء من كوننا لكنه ليس جزء من الواقع، فبه يكون الفوتون يميل للوجود في هذا الشق، و يميل للوجود في الشق الآخر بنفس الوقت أيضاً، لكنه غير موجود حقاً في كلاهما.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: