العقل : 3. أمخاخنا الكمومية.


لقرون طويلة، ظل التصور الديكارتي الأفلاطوني عن الطبيعة مسيطر على الساحة العلمية، فمع وجود الحتمية الكلاسيكية -التي تم إثبات خطأها مع ظهور ميكانيكا الكم- ظهر هذا التصور الذي يعتبر أن للطبيعة قسمان، قسم يحتوي المشاعر و الأفكار، و قسم يحتوي الأجسام المادية المتحركة، و أصبح هذا التصور المستمد من عصر ما قبل الميلاد هو قاعدة الفيزياء الكلاسيكية، دافعاً بهذا الإنسان بسبب تقطيعه للطبيعة إرباً، إلى العجز عن رؤيتها كاملة.


لكن من ضمن الأسئلة العديدة التي فشلت الفيزياء الكلاسيكية في تقديم أية إجابة لها، أسئلة تتعلق بالوعي و كيفية حدوثه، فالفيزياء الكلاسيكية تعتبر أن الوعي هو مجرد حركة بلايين الجسيمات في أمخاخنا، لكن هذا الرأي الكلاسيكي -بغير عدم وجود دليل واحد عليه- يتناقض من نفسه، فما الذي يميز حركة بلايين الجسيمات في أمخاخنا عن حركة بلايين الجسيمات في الهواء ليحدث الوعي فقط في أمخاخنا ؟، و كيف تتوحد كل تلك الجسيمات لنختبر حركتها كشعور واحد، أو فكرة واحدة ؟، ما هي الصلة بين إختبار فكرة مكتملة و الحركة الفردية لبلايين الجسيمات ؟، تلك الأسئلة يستحيل الإجابة عنها في أي تصور كلاسيكي عن الكون، لكن بالمقابل، فميكانيكا الكم تضم بداخلها إجابات طبيعية لتلك الأسئلة، بدون التلاعب بميكانيكا الكم أو التغيير فيها، نجد أن النظرية الرئيسية لها تحوي الإجابات المطلوبة هنا.


ميكانيكا الكم مختلفة بشكل جوهري عن الفيزياء الكلاسيكية، فهي تسمح برؤية العقل و المادة كأجزاء عادية في طبيعة واحدة، فالتغيير الأساسي الذي جاءت به ميكانيكا الكم هو نقل العالم الفيزيائي من بناء يوجد خارج العقل، إلى بناء يمتد إلى داخل العقل، و هو تغيير يقدم صورة أكثر منطقية للكون عامة و لعقولنا أيضاً، فلا أفعالنا محددة عبر حتمية كلاسيكية و لا نملك الحرية بإختيارها، و لا العقل مجرد شيء يوجد في عالم آخر غير العالم الفيزيائي، و لا أياً من تلك التصورات القاصرة الناتجة عن الفيزياء الكلاسيكية، لكن قبل تناول الأسئلة السابقة بتوضيح إجاباتها، نحتاج أولاً أن نرى مدى خضوع المخ -لا العقل- لميكانيكا الكم، هل تخضع تلك الخلايا العصبية في أمخاخنا للتأثيرات الكمومية التي تمنعنا عن التنبؤ بما سيحدث بها ؟، أم أنها اشبه بكرات بلياردو متصادمة نستطيع التنبؤ بسلوكها بأي وقت ؟.


للحصول على إجابة يجب علينا دراسة كيمياء المخ، للتبسيط يمكن تخيل المخ عبارة عن خلايا عصبية تتصل أطرافها ببعض، و تنتقل الإشارات العصبية من كل خلية إلى التالية لها عبر إطلاق مادة محفزة تستقبلها الخلية التالية، و تستطيع الخلية التالية أن تطلق مادة محفزة مشابهة و إلخ، فتحدث الإشارة العصبية، تلك المادة المحفزة تسمى ناقلات عصبية، و هي تمثل أحد العناصر الرئيسية في عمل المخ، فإن وصلت للتشابك العصبي تنتقل الإشارة العصبية، و إن لم تصل لا تنتقل الإشارة العصبية، تلك الناقلات العصبية تكون محتواه في حويصلة، و لا تقوم الحويصلة بإفراغ محتوياتها تلك إلا حين يحدث إطلاق، أي أنه بدون حدوث الإطلاق لن تصل الناقلات العصبية، لكن كيف يحدث الإطلاق ؟، يخبرنا علم الأعصاب أنه يحدث بسبب أيونات الكالسيوم، حيث تخرج تلك الأيونات من قنوات صغيرة، ثم تنتشر إلى موقع تحفيز الإطلاق، و يجب أن تصل عدة أيونات لهذا الموقع لكي يحدث الإطلاق.


حتى الآن لا يبدو أن هناك شيء يخالف طريقة عمل كرات البلياردو، فالمخ مازال يتصرف بحتمية كلاسيكية، إلا أن هذا يتغير حين ندرس أيونات الكالسيوم تلك، فأيونات الكالسيوم تسافر من مخرج القناة إلى موقع الإطلاق مسافة تبلغ 50 نانومتر -النانومتر يمثل جزء من ألف مليون جزء من المتر- و تقطع تلك المسافة في زمن قدره 200 ميكروثانية -الميكروثانية هو جزء من مليون جزء من الثانية-، و بتطبيق سهل لميكانيكا الكم على تلك الأيونات نضع إعتبار خلال تطبيقه لحرارة الجسم، نجد أن الموجة الكمومية الإحتمالية لكل أيون تنمو لحجم يبلغ عدة أضعاف حجم الأيون نفسه، بوصف أبسط، فخلال تلك المسافة تصبح أيونات الكالسيوم خاضعة للإحتمالية الكمومية، و لهذا فلا يمكننا معرفة نهاية مسارها، لا يمكننا تحديد أستصل لموقع الإطلاق أم لا، و ها هي الحتمية تسقط.


وفقاً لحسابات ميكانيكا الكم، إحتمالية إطلاق حويصلة إلى تشابك عصبي في القشرة المخية تبلغ 50%، و بالعودة إلى المخ ككل، نجد أن المخ يمثل نظام غير خطي به تغذية مرتجعة، و هو تعبير علمي يعني أن الحالة المرئية العامة لكل المخ تتصف بالحساسية الشديدة تجاه التغييرات الصغيرة التي تحدث على مستوى كل تشابك عصبي، لذا نجد أن المخ ككل يتأثر بالحالات الكمومية الصغيرة في تشابكاته العصبية، لذا فهو مثال على إنتقال الإحتمالية الكمومية من مستوى مجهري جسيمي، إلى مستوى مرئي كبير، كما يحدث مع أجهزة الرصد، و لهذا فالمخ يدخل في حالة موجة كمومية -أو تراكب كمومي- تشمل كل الإحتمالات المرئية المختلفة للمخ ككل.


هذا يصل بنا للتساؤل عما هي نقطة حدوث تحقق لأحد تلك الإحتمالات ؟، هل يتم تحقق أحد الإحتمالات في المستوى المجهري أم المرئي ؟، للإجابة عن تلك القضية قام John Neumann، أحد عباقرة الرياضيات في القرن العشرين، بتجربة معقدة لا مجال لتوضيحها بتفصيل، إلا أنها تتمثل في سلسلة من أجهزة القياس، الجهاز الأول يقيس حدث ذري مجهري، و الجهاز الثاني يقيس نتيجة قياس الجهاز الأول، و الجهاز الثالث يقيس نتيجة قياس الجهاز الثاني، و إلخ، و أوضح من خلال هذا عدم وجود أي فرق فيما يخص مستوى تحقق أحد الإحتمالات، لا يوجد أي فاصل بين ما سماه Heisenberg بالعالم الكمومي، و العالم المرئي. يتركنا هذا في مزيد من التساؤلات، فما هي فائدة معرفة مستوى تحقق الإحتمالات ؟، و إن كانت تلك الإحتمالات تحدث بشكل لا يمكن التنبؤ به، فكيف نجد الوعي و حرية الإختيار في هذا الإطار و لا ننتهي إلى العشوائية و الحظ ؟، و هي تساؤلات نضطر لتأجيل الإجابة عليها إلى المقالات الختامية من تلك السلسلة، أما بالمقالات القادمة فسيتم تناول المزيد من الأساسات العلمية الضرورية، خاصة فيما يتعلق بمفهوم المحلية، هذا في المقال التالي، ثم ندرس بتفصيل أكثر طريقة عمل الخلايا العصبية و المخ، و هي طريقة سيتضح لنا من خلالها كيفية حدوث التعلم، طريقة عمل الذاكرة، كيفية تكوين القرارات، و كيفية تطبيق الأوامر الحركية في جسدنا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: