العقل : 4. من نرد إلى جوهر الكون.


يحكى أن ماري أمتلكت نردين سحريين و صديق : آدم. و بأحد الأيام قرر أهل آدم الإنتقال لمنزل بعيد، بعيد جداً عن بيت ماري، يبعد 100 تريليون كيلومتر، و هي مسافة ضخمة جداً لدرجة أن آدم إن ركب الضوء ذاته، و تحرك مباشرة تجاه ماري بكامل سرعة الضوء تلك، سيستغرق مائة عام لكي يصل، لذا منحت ماري آدم أحد النردين و أخبرته عن سحرهما، و من بعد إنتقاله للمنزل الجديد ذهب للطاولة و رمى عليها نرده، فأستقر على رقم 2، و بنفس اللحظة تماماً في غرفة ماري، قفز نردها فجأة بدون أن يلمسه أي شخص و أستقر على رقم 5، فألتقطت ماري نردها و رمته، فأستقر على رقم 6، فقفز نرد آدم كأن قوة خفية تحركه، و أستقر على رقم 1، و رأى آدم بعينيه أن النردين معاً يجب أن يستقرا دوماً على رقمين ناتج جمعهما يساوي 7، و هكذا أستطاعت ماري التواصل مع صديقها عبر إبتكار شفرة رمزية من تلك الأرقام. يُحكى أن ماري، آدم و نرديهما، كلهم يعيشوا في كون لا محلي.


تلك القصة مستحيلة في نظر الكثيرين، و لسبب مقنع حقيقة، سبب جيد لدرجة أن البشر آمنوا بإستحالة تلك القصة لآلاف السنين، و هو أن لا شيء يستطيع التأثير بشكل آني لحظي في شيء آخر يقع على مسافة منه، فلكي يقوم جسم ما بالتأثير على جسم يقع على بعد سنتيمترات قليلة منه، يجب أن تمر أجزاء بسيطة جداً من الثانية -على الأقل- تكفي لوصول الضوء من الجسم الأول إلى الجسم الثاني، و لكي يقوم جسم بالتأثير على جسم آخر يقع على بعد سنة ضوئية كاملة، فيجب أن تمر على الأقل سنة كاملة قبل وصول تأثير الجسم الأول إلى الجسم الآخر، لهذا السبب يستحيل أن أحرك نردي هنا، فيتحرك نردك هناك بنفس اللحظة تماماً ليتخذ رقم يناسب رقم نردي، أليس كذلك ؟.


لا، ليس كذلك، فتلك الصفة -و التي تسمى إختصاراً بالمحلية- خاطئة، فكوننا غير محلي، نحن نعيش في نفس الكون الذي تعيش به ماري و صديقها، و أياً كانت درجة إيمانك بإستحالة هذا، مهما كنت مؤمن بأن كوننا محلي، فأنت ببساطة مخطيء، المحلية هي صفة أنتجتها حواسنا، و قامت الفيزياء الكلاسيكية بتدعيمها، لكن منذ إنهيار الفيزياء الكلاسيكية و ثبوت خطأ القدر الأغلب منها، و إستبدالها بالفيزياء الكمومية، و نحن نعلم أن كوننا يتصف باللامحلية، ثم تم تأكيد هذا بشكل نهائي في النصف الثاني من القرن الماضي، حيث قام العلماء بتجربة تشبه ما قامت به ماري و آدم، لكن التجربة أستخدمت جسيمين كبديل للنردين، و قام كل جسيم بالتأثير على الجسيم الآخر بذات الطريقة الآنية، بذات اللحظة تماماً، مهما كان إتساع الفاصل بينهما.


اللامحلية تعني بإختصار إمكان تأثير جسم على جسم آخر منفصل عنه مكانياً بدون أي إعتبار لهذا الإنفصال، و لهذا يتم ذكرها بأسم الكلية كذلك، لأنها تسمح أن تتصرف الأجسام المنفصلة كأنها جزء من كل، كأنها شيء واحد، أو بالأصح : حدث واحد. فحدث تغيير رقم نرد هنا و الذي يصاحبه حدث تغيير رقم نرد هناك ليسا حدثين منفصلين بالحقيقة، بل هما حدث واحد يتسبب في حدوث الأمرين، و لا يمكننا أبداً أن نعتبر كل أمر منهما منفصل عن الآخر، و بالأستعانة بتفسير كوبنهاجن نجد أن تلك الصفة بكوننا لا غرابة بها على الإطلاق، فالموجة الإحتمالية تمثل إحتمالات لأحداث، لكن لتوضيح كيفية تفسير هذا للامحلية، يجب علينا أن نفهم طبيعة الحدث الكمومي.


الحدث الكمومي، أو الحدث المتحقق أو الفعلي -كما قد نسميه في مواضع أخرى- هو الحدث الذي يتم إختياره و تحقيقه من قائمة الأحداث المحتملة المحمولة في الموجة الإحتمالية، و تحققه هذا يحدث حين نقوم بالرصد أو القياس الذي يتسبب بدوره في إنهيار الموجة الإحتمالية، و لأن الحدث الفعلي هو واحد من الإحتمالات العديدة التي حملتها الموجة الكمومية قبل إنهيارها فمن الطبيعي أن يكون نطاق تحققه يماثل النطاق الذي كانت الموجة الإحتمالية تغطيه، و هذا النطاق بحالة ماري يشمل كلا النردين، فكلا النردين مترابطين كمومياً مما يجعلنا نعبر عن كلاهما بموجة إحتمالية واحدة، لذا فمع إنهيار الموجة في مكان ما، تنهار في المكان الآخر أيضاً محققة بهذا حدث فعلي واحد لكلا النردين.


يمكن رؤية مثال آخر على لامحلية كوننا و إتصاف الأحداث الفعلية بالكلية أو الشمولية في الموجات الإحتمالية التي تعبر عن جسيم واحد فقط كذلك، فالجسيمات كما رأينا لا تمتلك مكان محدد طالما لم نرصدها، بل تتواجد في كل مكان تغطيه موجتها الإحتمالية، لذا فحين نأخذ موجة إحتمالية لألكترون مثلاً نجد أنها بالحقيقة تغطي كل الكون، هذا برغم تركز الجزء الأكبر منها في مساحة صغيرة لكنها أكبر من الألكترون، إلا أن قيمة الموجة الإحتمالية لا تكون صفراً في بقية الكون، و لهذا فيمكننا القول أن هذا الألكترون موجود في الطرف البعيد من المجرة كما هو موجود هنا، ثم نأتي لمرحلة رصده، و هي المرحلة التي نحقق بها حدث فعلي تنهار معه الموجة الإحتمالية و يصبح للألكترون مكان واحد فقط في لحظة رصده، أي أن رصدنا للألكترون هنا تسبب في إختفاءه من الطرف البعيد للمجرة، أو إن تحقق إحتمال آخر، نجد أن محاولتنا لرصد الألكترون هنا تسببت في إختفاءه من كل الأمكنة بما فيها هنا، و ظهوره في الطرف البعيد للمجرة.


فهنا أيضاً نجد أن الأفعال التي نقوم بها بجزء من الكون تستطيع التأثير على جزء بعيد تماماً، و نجد أيضاً معنى شمولية الأحداث الفعلية، فالأحداث الفعلية الكمومية، تحدث على نطاق يتصف باللامحلية، أي أنها تحقق إحتمالات تؤثر في أماكن منفصلة بذات اللحظة، و هي بهذا تمثل الضد لأحداث الفيزياء الكلاسيكية التي لا تؤثر سوى بمكان واحد فقط، لكن تلك الأحداث الأخيرة تم إثبات خطأها بأية حال، و لا يوجد بهذا الكون سوى الأحداث الكمومية بصفتها اللامحلية الشمولية، و هي صفة توضح لنا أن الحظ الكمومي العشوائي ليس سوى نتاج النظرة الخاطئة، فهذا الحظ العشوائي هو ما نراه حين ننظر لتأثير محلي لأحد الأحداث الكمومية، إلا أن الأحداث الكمومية شمولية كما تبيننا، لهذا فالنظرة الصحيحة لها يجب أن تتصف بالشمولية، ألا تنظر لمكان واحد فقط بالكون، بل للكون كله، و بتلك النظرة الصحيحة يمكننا رؤية الإختيار اللامحلي، الذي تبدو آثاره محلياً في صورة حظ عشوائي، لكن بسبب أن تلك النقاط المختصرة في هذه الفقرة الأخيرة بحاجة لمزيد من التفصيل، نرى فيما يأتي من تلك السلسلة المزيد من الحديث عنها، و عن كيفية إرتباطها بالعقل و حرية الإختيار البشرية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: