العقل : 6. كيمياء السلوك.


الوظيفة الأساسية للمخ هي أن يقوم بجمع المعلومات الخاصة بالبيئة المحيطة و كذلك الخاصة بالجسد، ثم إستخدام تلك المعلومات في صياغة عدد من الخطط السلوكية المحتملة، ثم، حين يتم إختيار أحد تلك الخطط، أن يقوم بالإشراف على تنفيذ تلك الخطة. خلال تلك الخطوات يتم تنشيط عدة أنماط من النشاط العصبي الذي تم شرح بنيته المجهرية، إلا أن تلك الأنماط مازالت لا تفسر إلا القليل، فهي لا تفسر الذاكرة و لا التعلم مثلاً، و لا تفسر الوعي بالتأكيد، إلا أنها تمثل أساس ممتاز يمكن البناء عليه لفهم تلك الأمور.


Gerald Edelman، عالم البيولوجيا و الأعصاب الحاصل على جائزة نوبل في الطب، أوضح الكثير من جوانب هذا البناء، فقد قام بتوضيح كيفية تطور المخ عبر التطور البيولوجي و الإنتقاء الطبيعي، كما أوضح كيفية تطور المخ خلال نموه الفردي من الولادة إلى الموت، و أوضح كذلك الكيفية التي يصبح بها المخ مشروط و متعلق بتاريخه الخاص بطريقة تجعل خصائصه -كالذاكرة، التعلم و التحكم بالجسد- ممثلة بأنماط نشاط عصبي. تلك الكيفية الأخيرة هي ما نركز عليه فلا مجال لشرح ما سبقها بالرغم من أهميته.


عنصر رئيسي في التمثيل العصبي لخصائص المخ هو ما يُعرف بالتيسير العصبي –Facilitation– و هو العملية التي تسمح لأنماط النشاط العصبي المتكررة، و التي كانت بالأساس ضعيفة التأثر بالتنشيط القادم لها من حالة حسية أو عصبية معينة، أن تصبح قوية التأثر بهذا التنشيط، بل يمكنها حتى أن تصبح مخصصة له، فلا يتم تنشيطها إلا به، بلغة بسيطة يعني هذا أنك إن شاهدت صورة بشكل متكرر، فستقوم بتنشيط خلايا معينة بالمخ بشكل متكرر، هذا التكرار يتسبب في تقوية الصلة بين تلك الخلايا مما يجعلها تتأثر بقوة حين تشاهد تلك الصورة للمرة المائة عما كان تأثرها في المرة الأولى مثلاً.


الإتحاد العصبي –Association– يمثل عنصر رئيسي آخر، و هو متفرع من التيسير العصبي، فالإتحاد العصبي يعني أنه حين يتم تنشيط جزء من نمط عصبي ميسّر تحت ظروف معينة، يتم تنشيط بقية النمط أيضاً، و هنا نرى بوضوح التمثيل العصبي للذاكرة، فالذاكرة ما هي سوى إستعادة ذكريات، إستعادة تلك الذكريات تتم عبر تنشيط جزء من نمط عصبي ميسّر، مما يتسبب في تنشيط بقية النمط و بالتالي تظهر تلك الذكريات في وعينا، أما عن التيسير العصبي فهو يمثل التعلم، فتقوية التأثر بتنشيطات معينة لا فقط يمنح أساساً للذاكرة، بل يبين كيفية إستطاعة المخ أن يقوم بالتعلم عبر التغييرات التي يحدثها على المستوى الخلوي.


لكن حين ننتقل للحديث عن التحكم بالجسد نجد أنه يتطلب من المخ قيام كامل بوظيفته، فيجب على المخ بتلك الحالة إمتلاك صورة للجسد و البيئة المحيطة به نسميها إختصاراً صورة العالم، تلك الصورة يمتلكها المخ طوال الوقت بل و يحدثها بإستمرار لا ينقطع، لكنه لا يقوم بتحديث كامل للصورة، فحين تشاهد حشرة بتركيز مثلاً، يقوم مخك بإستمرار بتحديث موقع الحشرة بالهواء، لذا فالمخ قادر على تخصيص أجزاء معينة بالتحديث، و هذا ما يقودنا للتحكم بالجسد، فحين ترفع ذراعك مثلاً لا تصدر أمراً واعياً لكل عضلة، بل فقط تفكر في المكان الذي تريد لذراعك أن يصبح به، و تقوم عمليات غير واعية بتنفيذ الأوامر الضمنية من تحريك العضلات و ما شابه، لهذا فالمخ لا فقط يمتلك صورة العالم الحالية -ممثلة بأنماط عصبية متصلة بالحواس- بل يمتلك أيضاً ما يمكن تسميته بصورة العالم المتوقعة -ممثلة بأنماط عصبية للأفعال المحتملة قبل تحقيق أحداها- و التي تحتوي كل ما يوجد بصورة العالم الحالية لكنها تضيف عليها هدف أو نية، و تلك الصورة أيضاً تمتلك خاصية التحديث المستمر، فحين تقرر رفع ذراعك تتخذ إختيار آخر في ذات الوقت، و هو إختيار مراقبة حركته، لذا نجد أن الأشياء الموضوعة في صورة العالم المتوقعة تحمل معها تعليمات تشبه التعليمات التي تسببت في وضع تلك الأشياء في صورة العالم الحالية.


نجد من تلك النقاط أن المخ قادر على تنفيذ عمليات عليا، أي أننا لا نضطر لإخراج أوامر واعية لكل عضلة لتحريك الذراع، كما لا نضطر لإضافة أوامر بإستمرار لمراقبة حركته، بل فقط نختار أمر علوي ينفذه المخ كعمليات عليا، كل عملية عليا تحتوي عناصر تقوم بتقديم أوامر للعمليات الدنيا، و تلك الأوامر تدفع العمليات الدنيا الغير واعية لتجميع المعلومات و التجهيز لتحقيق الأمر العلوي ثم القيام بتنفيذه، ثم بناء أوامر عليا محتملة جديدة، بدون أن تختار إحداها، فقط تقوم ببناء عدد من الأوامر المحتملة ليتم إختيار إحداها كالأمر -أو السيناريو- الذي سيتحقق، و كل أمر علوي متحقق يحوي تحديث لصورة العالم.


يسهل الآن أن نرى كيفية حدوث كل هذا في مستوى الخلايا العصبية، فهناك فئة من أنماط النشاط العصبي يمكن تسميتها بالرموز، كل أمر علوي يمثل مجموعة من تلك الرموز، و كل رمز هو عبارة عن سلسلة كبيرة من الخلايا العصبية التي تمثل جميعها نمط واحد، و حين يتم تنشيط الرمز -عبر منع إشارة كابحة مثلاً- يميل لتنشيط العمليات الدنيا أو السفلى التي يرمز لها بواسطة الإتحاد العصبي. بنهاية هذا المقال يجدر ذكر أن تلك الصورة العامة لطريقة عمل المخ متوافقة تماماً مع الأدلة المتزايدة الآتية من علوم المخ و الأعصاب، كما أنها تفسر مختلف التجارب العصبية و النفسية كتجربة Libet و غيرها، و كما سنرى في المقالات الآتية، بتطبيق تفسير كوبنهاجن و الترابط الكمومي عليها، نجد أن العقل و الوعي يصدران بشكل تلقائي منها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: