العقل : 7. تفكيك الوعي.


نحن لسنا واعيين بما يحدث بمخنا من أحداث عصبية حقاً، بل فقط نعي المقطوعات الموسيقية، الغروب، الكلمات، الأصوات و الخبرات مختلفة، فكيف تنشأ تلك الخبرات و الأحاسيس من الأحداث العصبية بالمخ ؟، حين نرى مثلث مثلاً، لمَ نختبر بوعينا ثلاث خطوط تلتقي بثلاثة نقاط لا مجرد أنماط نشاط عصبي ؟. الإجابة تقع في الجزء المختص بالرؤية في القشرة المخية، فنمو العصب البصري الذي يصل شبكية العين بالقشرة البصرية لا يتبع برمجة الجينات تماماً، بل يعتمد كثيراً على الصدفة، و بالرغم من هذا تصل للقشرة البصرية في المخ إشارات كهربية صحيحة لا مجرد تنشيطات عصبية عشوائية.


و السبب هو الحركة الرمشية للعين و التي تتسبب في إرسال إشارات عصبية مرتبطة بشكل مؤقت من الشبكية، عبر العصب البصري، و إلى القشرة البصرية، و بالرغم من وصول تلك الإشارات بشكل مشوه -بسبب عشوائية نمو العصب البصري- إلا أنها مرتبطة معاً بشكل يجعلها تنشط أنماط عصبية تقوى عبر عمليتي التيسير و الإتحاد، فبرغم أن البنية الشبكية السوية يتم تمثيلها ببنية عصبية مشوهة في قشرتنا المخية، إلا أن الحركة الرمشية و تأثيرها التيسيري في الأعصاب يجعل الصورة تظهر بشكل سليم، و تلك الأعصاب بدورها تتحد مع الأعصاب الحركية التي تتسبب في الحركة الرمشية للعين، مما يقوي الصلة كلها عامة.


و بالعودة إلى المثلث، نجد أن كل نقطة إلتقاء خطين في المثلث لها رمز عصبي يمثلها في القشرة المخية تم بناءه عبر عملية التيسير، و كذلك يتم تمثيل خواص المثلث الأخرى برموز مبنية مسبقاً بواسطة الحركة الرمشية، فنرى هنا كيفية توافق المثلث الخارجي مع صورته الداخلية في مخنا، لكن هذا لا يجيب السؤال بالبداية، لمَ نشعر صورة المثلث، لا مجرد نشاط عصبي ؟. هذا السؤال بالحقيقة نابع من خلفية الفيزياء الكلاسيكية في أذهاننا، فبهذا السؤال نتصور أن كل خلية عصبية قائمة بذاتها، و كما يستحيل في الفيزياء الكلاسيكية أن تتصرف كرتا بلياردو كأنهما شيء واحد لا شيئين، يستحيل أيضاً أن نرى كيفية نشوء شعور موحد من حركة بلايين الجسيمات و تنشيطات ملايين الخلايا في أمخاخنا.


لكن الفيزياء الكمومية ترينا خطأ هذا التصور الكلاسيكي، فالنردين المترابطين كمومياً و المنفصلين بتريليونات الكيلومترات مكانياً لا يمتلكان موجتين إحتماليتين، بل موجة واحدة، حتى إن كان كل نرد منهما في جانب مختلف من الكون، و لا يمكننا تفكيك تلك الموجة محلياً، تلك الموجة تمثل شيء كلي لا يمكننا فهمه عبر تفكيكه، و كذلك المثلث الخارجي، حين تتم ترجمته عصبياً في مخنا، الخطأ الكلاسيكي هو أن ننظر لترجمته تلك بشكل محلي مفكك بإعتبار أن الشيء الكلي يمكن معرفة جميع خواصه عبر تفكيكه و معرفة خواص أجزاءه المحلية، لكن النظرة الصحيحة هي النظر لترجمته على أنها حدث واحد، حدث واحد يشمل ملايين الخلايا التي لها موجة إحتمالية واحدة، لذا فرؤية المثلث هي تحقيق لموجة إحتمالية لامحلية، و لهذا يتم إستقبال تلك الرؤية كمثلث كامل، لا أحداث عصبية منفصلة.


نأتي هنا للسؤال الجوهري، لمَ يتم شعور تحقق نمط عصبي أو عملية عصبية عليا على أنها مثلث ؟. السبب بسيط : لأن الخبرة الواعية البشرية و تحقق الموجة الإحتمالية -أو النمط العصبي أو العملية العصبية العليا أو السيناريو، كلهم يرمزون لنفس الشيء هنا- كلاهما ذات الشيء، الخبرة الواعية هي ذاتها الأحداث الفعلية المتحققة، أو ما يعرف إختصاراً بأحداث هايزنبرج الفعلية، و هي تلك الأحداث التي أشرنا لها سابقاً بإعتبارها المكون الحقيقي للعالم الواقعي، كل حدث هايزنبرج يمثل حدث علوي أو عملية عليا في المخ، و مثل هذا الحدث يقوم بتحقيق نمط عصبي كبير نسميه رمز عصبي، و هذا الرمز بدوره له مكونات من العمليات العصبية الدنيا بداخله.


ما نشعره كوعي هو تحقق موجة إحتمالية و حدوث حدث فعلي، و لأن الموجة الإحتمالية ذات طبيعة كلية لامحلية و كذلك الحدث المتحقق منها، و تلك الموجة الواحدة -في حالة المثلث- تشمل كل الخلايا العصبية المتعلقة برؤية المثلث، لذا هي لا تأخذ كل خلية بمفردها، بل مجموع الخلايا ككل، و هذا المجموع هو ما نشعره، تلك الوحدة هي الوعي، و لهذا نرى المثلث الخارجي كمثلث داخلي موحد في وعينا، و بإضافة ميكانيكية الذاكرة لتلك الصورة نرى سبب إستطاعتنا إستعادة ذكريات معينة في وعينا، فعبر الإحالة المرجعية لحدث دافع للتذكر بالواقع يمكن تحقيق رمز عصبي يمثل التواجد في أحد المطاعم في وقت محدد، بدون أن يتداخل هذا الرمز مع الرموز الأخرى التي تمثل التواجد في هذا المطعم بأوقات أخرى، لذا فالذاكرة طويلة الأمد تقوم على أساس من العمليات العصبية العليا المتمثلة في رموز عصبية.


تبقى خاصية أخيرة لم نتناولها إلى الآن في الوعي، و هي الخاصية المسماة بتدفق الوعي و التي تشير لشعورنا بأن الزمن يمر، بالرغم من أنه بالحقيقة ثابت مجمد لا يتحرك، تلك الخاصية يسهل تفسيرها في نموذجنا الحالي عن الوعي، فإن أخذنا مثلاً الحروف التالية : ABCDEFG. و إعتبرناها الفكرة الحالية بالوعي، فالفكرة التالية ستكون BCDEFGH، ثم التالية لها ستكون CDEFGHI، هذا التتابع الزمني و الإسقاط المستمر للماضي الذي يشرحه William James يوضح لنا أن الحدث الفعلي الحالي يحتوي بداخله سلسلة من الأجزاء التي يتم إعتبارها في ترتيب زمني، و نجد لهذا تمثيل عصبي في مخنا بسبب أن كل رمز يتم تحقيقه بواسطة حدث علوي يتكون من العديد من مكونات الرموز التي سبقته في التحقق و كذلك يضيف عليها بضعة مكونات جديدة، مما يعطي هذا الشعور بالصلة الزمنية السببية بين كل حدث و الأحداث السابقة له، و نجد أن هذا مدلل عليه سلوكياً بسبب إستطاعتنا بسهولة قول ABCDEFG ثم تكريرها عدة مرات مع حذف حرف من البداية و إضافة حرف بالنهاية، لكن إن حاولنا أن نقلب السلسلة فجأة فنقول GFEDCBA، فسنجد أن هذا يتطلب مننا جهد و تركيز أكبر، لأننا بتلك الحالة نبني رمز جديد تماماً لا يحتوي أية مكونات مما سبقه من رموز، لذا نجد أن البنية العصبية بالأساس تميل بسبب الإتحاد و التيسير العصبيان إلى الإتجاه للأمام في الزمن، و لأننا نختبر تلك البنية العصبية في صورة حدث فعلي تلو الآخر، فنحن لا نرى الزمن كله، بل يشعر وعينا حدث من بعد حدث، لهذا يبدو الزمن كأنه يتدفق بالنسبة لنا.


الرموز السابقة التي تشارك ببعض مكوناتها في الرمز الحالي لا تمثل في الواقع سلسلة صغيرة كما بالمثال السابق عن الحروف، بل يمكنها أن تمتد في سلسلة طويلة جداً قبل أن تتعرض للإسقاط المستمر للماضي، لذا فهي بهذا تشكل خلفية من الرموز التي تستمر خلال الشرائح أو اللحظات الزمنية المختلفة، تلك الخلفية هي ما نشعرها في صورة الذات أو النفس أو الأنا التي تتخلل كل خبرة بشرية، لأنها تتخلل كل الرموز الحالية، هذا برغم كونها جزء من الخبرة فالخلفية هي رموز مبنية من الخبرة، لكنها جزء خاص من الخبرة يقوم بربط الخبرات المختلفة ببعضها في المخ، و المخ هو المستقبل الوحيد للخبرات، و كل خبرة لها وجود و لها بناء يعكس البناء العصبي الذي يتم تحقيقه في المخ و الذي يجسدها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: