الأخلاق : 1. من الميديافيلية إلى الميكانيكية.


العلم، عبر قدرته على تخليص الإنسان من حمل الخرافة، يوسّع جداً من إمكانيات الحياة البشرية، لكن بذات الوقت تشكل السطحية في المفهوم المنتشر عن الإنسان، و الموضوع خطئاً بأسم العلم، السبب في المشكلات الإقتصادية، البيئية و الأخلاقية المتزايدة اليوم. لكن كيف يمكن لمفهوم سطحي عن ذواتنا، مجرد فكرة، أن تكون السبب في مثل تلك المشكلات العميقة ؟، الإجابة هي أن ما نعتقده من أفكار عن ذواتنا و عن علاقتنا مع العالم من حولنا هي جذور قيمنا، و قيمنا تحدد سلوكياتنا المباشرة، لكن، مع مرور الوقت، تحدد أيضاً شكل المجتمع ككل.


إعتقاداتنا و أفكارنا تلك يتم تحديدها بواسطة العلم بشكل متزايد، لذا فمن الطبيعي أن نرى حالياً الدور و التأثير الهام لما كان العلم يقوله لـ 300 عام عن الإنسان و مكانه بالعالم، ما حدث بالقرن السابع عشر عبر مفكرين و علماء كديكارت و جاليليو و نيوتن غير من صورة العالم في نظر الإنسان المتعلم من مكان ميديافيلي تملأه الأرواح و السحر، إلى عالم ميكانيكي يُرى فيه الكون بأكمله كآلة هائلة مليئة بالتروس، و لا نمثل نحن البشر سوى ترس صغير بها، تلك الفكرة ظهرت بسبب تغيير ضئيل في فكرة واحدة، و هي إكتشاف أن مدارات الكواكب ليست دائرية و إنما بيضاوية، هذا الإكتشاف الذي أعلن عنه كبلر بهذا العصر كان الأساس الذي أقام نيوتن عليه نظريته عن الجاذبية، و مع وضع تلك النظرية بدأت إمبراطورية الأفكار الميديافيلية بالسقوط.


البشر، بسبب شعورهم الحدسي بأن أجسامهم تتحرك بواسطة أفكارهم، تخيلوا أن تلك الأفكار تصدر عن روح منفصلة عن الجسد و تتحكم به، لكن ما قام به العلم الكلاسيكي هو تحديداً إبعاد جميع العناصر الغير مادية من الكون الفيزيائي، فلم يعد للأفكار أو للإرادة تأثير في التحكم بالجسد، لذا قام ديكارت بتقسيم الطبيعة إلى عالم المادة و عالم الأفكار، و قرر أن الأشياء المادية لا تتأثر على الإطلاق بالأفكار في أغلب الكون إلا منطقة واحدة، تلك المنطقة هي جزء صغير من المخ البشري تسمى Pineal Glands، حسب رأي ديكارت، بتلك المنطقة فقط يمكن للأفكار التأثير على حركة المادة، حيث أفترض أن قوانين الحركة الخاصة بنيوتن لا تحكم تلك المنطقة من المخ.


لكن قوانين نيوتن كانت واضحة، و لم يكن بها أي إشارة للأفكار أو أي كيانات غير مادية، لذا لم يضع مفكري القرن الثامن عشر و التاسع عشر هذا الإستثناء الديكارتي، و أعتبروا أن كل ذرة في جسد الإنسان أو في أي مكان آخر تحكمها بشكل حتمي قوانين الفيزياء و لا تؤثر فيها أي إرادة أو أفكار، أي أن سلوكنا البشري هو نتاج ذرات مبرمجة بشكل آلي منذ ظهور الوجود، تلك الفكرة عن أن أعمق حدس عن ذواتنا، هذا الحدس المتعلق بشعورنا بإمتلاك إرادة و حرية، هو حدس خاطيء بدت بالتأكيد سخيفة، لكن عبر إشارة علم هذا العصر لمواقف أخرى كان الحدس بها خاطيء تماماً -كحدس تسطح الأرض- بقى قادراً على الحفاظ على تلك الفكرة، و أن الشعور بالحرية مجرد وهم.


رُغم ظهور العلم الكلاسيكي بالقرن السابع عشر إلا أن التأثيرات الأخلاقية له لم تبدأ بالظهور بقوة حتى أتى القرن التاسع عشر، فقام العديد من المفكرين بوضع أنساق أخلاقية تعتمد على مبدأ أن كل فرد منا لا يمثل سوى جهاز ميكانيكي، لذا كان من الطبيعي أن تهتم تلك الأنساق الأخلاقية بالمصلحة الذاتية و اللذة الأنانية، و ساعد تلك الأنساق الحمى التسويقية التي سادت بذلك الوقت، و برغم محاولة بعض الإتجاهات الفلسفية كالإتجاه الرومانتيكي و الإتجاه المثالي إقامة أنساق أخلاقية لا تتصف بكل تلك اللاأخلاقية، إلا أن كل تلك المحاولات فشلت كنتيجة طبيعية لقبول الفكرة الميكانيكية عن العالم، لذا، في ظل هذا الفراغ الأخلاقي، زادت سيطرة المنفعة المادية على الطبقة المثقفة تدريجياً، ثم مع قدوم القرن العشرين أخذت تلك السيطرة التي بقت محصورة طويلاً بين العلماء و المفكرين بالإنتقال إلى العامة بشكل كامل.


هنا أخذ هذا الجشع المادي القائم على علم القرن السابع عشر بإظهار عيوبه، حيث تضخم بسرعة الطلب على الرغبات المادية سعياً لتحقيق الإشباع حتى خرج هذا التضخم عن التحكم، و أدى لمشكلات بيئية و إقتصادية عبر سوء إستخدام الموارد الطبيعية، حتى بدأنا نشعر حالياً بثقل الحمل الذي خلفه علينا من سبقونا، لكن بذات الوقت مازلنا مستمرين في إضافة المزيد من الأحمال من صنعنا لن يشعر بها حقاً سوى الأجيال الآتية، النظرة المادية فشلت في تحقيق الحياة البشرية بنجاح، فهي مذهب لا يمتلك أسلوب عقلاني لمواجهة تلك المشاكل طالما ظل كل إنسان مجرد كتلة من اللحم و العظام، لكن، كما ذكرنا بالبداية، تلك النظرة سطحية، وصفها بأنها علمية هو وصف غير دقيق، فهي تعود لتاريخ العلم لا للعلم ذاته، تعود للقرن السابع عشر رُغم أن ظهورها بكامل قوتها بين العامة لم يحدث إلا ببداية القرن العشرين، بنفس الأعوام التي أثبت فيها العلم خطأ الفيزياء الكلاسيكية الميكانيكية و هدم كل البناء الحتمي، لكن كما أستغرق الأمر قرون ثلاثة لنجاح إنتقال نتائج الفيزياء الكلاسيكية إلى العامة، عبر مائة عام لم تنجح نتائج الفيزياء الحديثة بالإنتقال إليهم بعد، رغم أنها تقدم بناء فكري أقوى لقيامه على علم صحيح، هذا البناء الذي نوضحه في المقال التالي بإذن الله.

Advertisements

2 تعليقان to “الأخلاق : 1. من الميديافيلية إلى الميكانيكية.”

  1. محمد Says:

    أتفقُ معكَ كثيرًا يا صديقي فيما ذهبتَ إليه و و إن كنتُ أختلف معكَ في تفسير الظاهرة الكمومية من ناحية القياس و استثمارها فلسفيًا و لكن هذا يبقى في إطار الاختلاف الإيجابي .

    إشكالية الاستثمار السلبي للعلم هي من أخطر السلوكيات التي حاولتْ المادية أن توظفه في مجالها الفلسفي , و هذا ينطبق على كل مدرسة فلسفية تحاول أن تركب على ظهر العلم .

    تحية صادقة , متابع كقارئ يختلس الوقت .

  2. FAR...CRY Says:

    تعلم صديقي أن الفيزياء الكلاسيكية بأية حال خاطئة، كما أن الأبحاث العصبية الحديثة تشير إلى أن القرارات الحركية و الواعية إحتمالية، كما تشير من جانب آخر إلى أن الإشارات العصبية إحتمالية كذلك، لذا فالإختلاف حول أسس موضوعية القياس في تفسير كوبنهاهجن لا يشكل إختلافاً حول تفسير كوبنهاجن بأكمله، خاصة مع كون النموذج الوحيد المتواجد بخلاف تفسير كوبنهاجن هو تفسير العوالم المتعددة المبالغ و المكلف جداً في كم الإفتراضات الميتافيزيقية التي يضعها.

    الفيزياء الكلاسيكية بطبيعتها لها تؤدي بشكل حتمي لأخلاقيات مادية حتمية، لكن الإستثمار السلبي الحالي هو إستثمار جزء قديم من العلم و تجاهل أو جهل العلم المعاصر.

    من جديد أشكرك محمد لمتابعتك المخلصة و تواجدك الدائم، لك كدائماً كل إحترامي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: