مصر


لم أهتم يوماً بالسياسة، و خصوصاً سياسة مصر، لم أشارك في أي تظاهرات سابقة لتلك الثورة، لم أهتم لتغييرات الحكومة، حقيقة لم أكن أهتم لمصر بشكل عام، لم تمثل لي وطن لأنني، و كل هؤلاء المصريين، لم نكن نعيش بمصر، بل بأرض مبارك، لذات السبب لم أشعر أنني مصري و لم أهتم لما سبق، ببساطة، كنت فاقد للأمل في تلك الأرض بشكل كامل تماماً.


قبل أن تحدث المظاهرات يوم 25 يناير سألني صديق عما إذا كنت سأشارك أجبته فقط بتهكم، و مع مرور يوم 25 لم أرَ سوى أحداث المحلة تتكرر من جديد، أعني أن يخرج المتظاهرون فتنهال عليهم الشرطة بكل أشكال العنف فيعود المتظاهرون مصابين لبيوتهم و تعود الشرطة لمراكزها فائزة، هذا لأنني علمت أن نظام مبارك سيستخدم كل وسيلة، و لم أؤمن بقدرة أشخاص عزل على مواجهة كل هذا العنف و المكر، إلا أن يوم الجمعة التالي حمل ما لم أتوقعه لغفلتي عن أن إغضاب شعب اشبه بإغضاب تنين، لا يرد على من أغضبه سوى بأعنف مما تم فعله لإغضابه، و كان للشرطة هذا، و لا أقصد بهذا أن ردة الفعل كان مبالغ فيها، بل كانت مبررة تماماً بعد نهار كامل من القتل و القنابل و الرصاص المطاطي، صديقي الذي سألني كان متواجد مع المتظاهرين وسط كل هذا، هنا كان ندمي الوحيد، أنني لم أشارك فيما أعتبره أهم يوم بتلك الثورة.


كنت في يوم سابق لهذا قد أخبرت سارة أن الشرطة ستستخدم عنف بشع، لكن إن بقى المتظاهرون بعد هذا العنف، فتلك التظاهرات لن تكون كأحداث المحلة و ستكون تلك العلامة الفارقة في مصيرها، و هكذا حدثت تلك العلامة في يوم الجمعة لذا كان واجباً علي أن أشارك في يوم السبت، حين ذهبت مع أصدقائي كان مركز التظاهرات مازال مشبع برائحة الغازات المسيلة للدموع، و سيارات الشرطة المحترقة على جوانب الطرقات، و أقسامهم و مراكزهم خربة و تملأها آثار النيران و الغضب، الجيش و دباباته كانا أيضاً بكل مكان لكنهم بغير الشرطة في غاية اللطف، حتى حين بدأ حظر التجول لم يكونوا صارمين بتنفيذه على المتظاهرين، لكن كان لبقائنا بعده أثر في قدرتنا على العودة لبيوتنا لتحول المدينة من بعده لفراغ شبه كامل، هكذا كان يختار البعض المبيت في الشارع، و يختار البعض الآخر الذهاب لأي بيت صديق أو قريب لا يبعد كثيراً عن المظاهرات، بالأيام الأولى لم تكن تلك العودة للنوم، بل للبدء بحراسة الشوارع من عبيد النظام و مخبريهم و تخريبهم.


لم أكن خلال هذا أشارك بصفة يومية، بل فقط بأيام المظاهرات المليونية و التي فصل بين كل أثنين منها يوم للراحة، حتى أتى يوم الأربعاء التالي لخطاب مبارك المثير للشفقة، بذاك اليوم أخبرني الكثير بإكتفائهم بخطابه، لكنهم لم يكونوا من المتظاهرين بل من هؤلاء الذين لا يقلقهم سوى عدم حصولهم على مرتباتهم، هذا الفتات المثير أيضاً للشفقة الذي تلقيه الحكومة لهم، أخبروني أيضاً بغضبهم من المتظاهرين، بحبهم لمبارك، برؤيتهم عدم صحة أن نفعل بكبيرنا مثل هذا، و وجوب أن نكون شاكرين له على كل التضحيات التي قام بها في حرب أكتوبر، لكن لا فقط لهذا، بل أيضاً لإدخاله الكهرباء جميع قرى مصر و حرصه على الحرية و وعوده في خطابه بالإصلاح بل حتى لإمتلاك كل مصري لجوال بفضل حسن قيادته!


في حين يورث العلم في الذات التفكير الموضوعي، يورث الجهل التفكير العاطفي، و هؤلاء، و هم كثيرون في هذا الشعب، جعلهم تفكيرهم العاطفي يزرفون الدموع لأجل مبارك حين أناقشهم، جعلهم أيضاً يؤمنون أن الشيطان حين يقسم أنه سيتغير فهو حقاً سيتغير، لكن بذات اليوم رأينا كيفية تنفيذ وعوده تلك على أرض الواقع، بين السيوف و الأحصنة و القنابل الحارقة بدى ظل النظام واضح، و لم تحدث تلك الأمور بدون علم مبارك كما يدعي البعض، فلن يقوم أي رجل أعمال فاسد أو وزير بأمور بتلك الضخامة بدون علم سيده، و كانت تلك غلطة النظام الكبرى، فلم يعد هناك مجال للحوار أو للتفاهم بعد هذا اليوم.


لكن بقى قلقي في الأيام التالية من مدى مراهنة النظام على أصحاب التفكير العاطفي، فهم رغمهم لا يشاركون بنشاط في تلك الأحداث سواء سلباً أو إيجاباً سوى ببقائهم ببيوتهم و بكائهم على مبارك بدلاً من البكاء على مئات الشهداء و آلاف المصابين، راهن النظام عليهم طويلاً لكثرة أعدادهم و التي ربما تفوق أعداد المتظاهرين، حتى أستيقظنا ذات يوم على البيان الأول للجيش، و أصبح واضحاً رغم إختلاف الأعداد أن صوتنا فاق صوتهم، فحاجة القوات المسلحة لإنهاء الأزمة كانت جلية لكنهم على ما يبدو قبلوا توسل مبارك لفرصة أخيرة، كانت تلك محاولته إسترضاء الشعب بتفويض مسؤوليته، رغم أنه بتلك اللحظة كان قد قرر التنحي بأية حال لكنه مازال يريد أن يجرب، ربُ، لكن ربُ لم تحدث، و خرج المتظاهرون -أو بالأصح الثوار بتلك المرحلة من الأحداث- عن عقولهم، كان الغضب يستعر بشكل جنوني و كان اليوم التالي لخطابه الأخير يوم قاتل أو مقتول، فذهبنا لقصوره و أنتقلنا من تمركزاتنا السابقة لأماكن جديدة مع إرتفاع أعدادنا بهذا اليوم إلى مستوى لم يسبق الوصول له، و مع عودتي للبيت قبل دقائق من خطاب النائب كنت أتوقع أن يماطل النظام أكثر من هذا، لكن ظهر أخيراً وجه نائبه العابس المدرك لضياع كل سلطته ليخبرنا أخيراً بما أردناه.


شاهدتم جميعاً فرحتنا على الشاشات، لكن أخبركم أن ما شاهدتوه لا يعبر عنها حقاً، كل الفرحة التي عبرنا عنها لا تمثل ما بداخلنا بشكل كامل، مازال أغلبنا لا يستوعب بشكل كامل كل تلك الفرحة و حجم هذا الإنجاز، و رغم أن كل ما سبق كان صراع لكي نصل للبداية، فقد مثل الخطوة الأهم، و أؤمن أنا في قدرة الواعيين في هذا الشعب على جعل الخطوات التالية أقل صعوبة بكثير، أؤمن بقدرتهم على تحقيق العدل و نقلنا لغد أفضل، بل أؤمن بأنهم هم الشعب كله، فالبقية الباقية ممن مازالوا يبكون على مبارك إلى اليوم و يرددون أحاديث عن مدى الندم الذي سنجنيه لاحقاً، هؤلاء لا يمثلون سوى غوغاء أخجل أن أعتبرها جزء من الشعب الجديد الذي وُلد بتلك الثورة، و لا لأحاديثهم الآن أهمية، فقد رحل الطاغية بلا رجعة و لن تعيده دموعهم و لن تعطلنا سلبيتهم عن الإنتقال إلى الغد، و ها هي القوات المسلحة تثبت كل يوم و إلى تلك اللحظة أنها أيضاً تريد هذا الغد، و أنها ليست جزء من نظام ميت أو فساد سابق.


كل السطور بالأعلى تخرج من شخص لم أكن عليه قبل شهر، تخرج الآن من شاب مصري يعتز بمصريته، يشعر أنه شارك الملايين و مازال يشاركهم في كتابة التاريخ و رسم الغد، يشعر أن له وطن لأن أفعاله الآن تؤثر بهذا الوطن، صوته له أهمية به، له وطن يستطيع أن يمنحه و يأخذ منه، لا نظام يمتصه و يلقيه ميتاً، و الوطن لم يكن يوماً إنتماء لأرض أو لمكان أو جماد، بل هو إنتماء لشعب، و هذا الشعب الجديد هو وطني.

l


– الصورة من تصوير سارة لمبنى الحزب الحاكم سابقاً، و إحتراقه رمز لسقوطه.

Advertisements

4 تعليقات to “مصر”

  1. محمد Says:

    عندما أذيع خبر تنحي الطاغية أو بتعبير أدق سقوطه , كتبتُ هذا البوح الصادق , و أرسلتها إلى صديقي :

    ( إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر

    لا أجد أبلغ من هذه النبوءة الصادقة التي صدع بها الشابي , حيث التاريخ يتزاحم فيها , مبارك عليك يا صديقي سقوط اللامبارك ! )

    11/2/2011 , 7:34م

    من أعماق قلبي أبارك لك انتصار ثورة الشعب المصري الكريم .

    تحية صادقة.

  2. FAR...CRY Says:

    بارك الله فيك يا غالي و وفق وطنك لمثل هذا التحرر بإذن الله، أدعو لنا أن نحقق خلال فترة تقل عن 9 شهور نظام ديموقراطي برلماني حقيقي، فهذا إن تحقق ستشهد مصر تغييرات جذرية في إقتصادها و قوتها في الخمسة أعوام المقبلة.

  3. هند Says:

    مساء الخير يحى
    كنت مره منشغله الايام اللي فاتت الحمدلله طلعت سليمه
    ابارك لكم على هذه الثوره الجميله
    عيني امتلئت بالدموع عندما رأيت الفرح اللذي عم مصر بعد انحلال هذا النظام الفاسد.
    الشعب المصري بجد ممنونه لكم فعلا رجعتو الامل والفرحه في قلوبنا بعد كل الاحباطات اللي تعرض لها العالم العربي فلسطين والعراق
    رويتو قلوبنا بهذه الثوره
    انتم لم تكتبو فقط تاريخ جديد لمصر وانما للعالم العربي
    لا استطيع ان اعبر عن مشاعري انا اليوم فخوره اني عربيه بسبب ثورتكم وثورة تونس ثورتكم ضد الظلم ..
    اتمنى انه العالم العربي كله يملك شجاعه مثل شجاعه المصرين اللي كانو كلمه واحده ضد الظلم
    الان عرفت قيمه الكلمه الواحده واليد الواحده..
    اتمنى لمصر تاريخ جميل وجديد شعب تحمل الظلم بما يكفي .

  4. FAR...CRY Says:

    مساء الورد هند، دوركِ الآن لتكوني ناشطة ثورية و تحررين وطنكِ من ذوي البطون P=

    كما ترين، نجاح ثورة مصر له أثر أقوى كثيراً من نجاح ثورة تونس، نجاح شعب في إزالة حاكم كان ملتصق بعرشه كمبارك يعني أن أي شعب آخر يستطيع أن ينجح بفعل المثل D=

    أعلم أنكِ سعدتي لنا كثيراً، فرحتكم، فرحة كل العرب و حتى فرحة العالم عنت الكثير لنا، و عنت الكثير لحكام العرب أيضاً، فها هي شعوبهم تثور عليهم واحد تلو الآخر =)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: