Bon


لا بداية محددة يمكن العثور عليها حين الحديث عن بون، فهي فتاة مختلفة بطريقة يصعب معها وصف مدى تميزها، إمتلاءها و عمقها. بتميزها أعني كونها طبيعية جداً، خالصة إلا من الفطرة، مُحبة بلا شروط، مانحة بلا مقابل، تعي أن الحب لا أن تتخذ حبيبك خصماً، بل أن تقف في صفه حتى لو ضد نفسك. و الإمتلاء أعني به إمتلاءها بالحياة، ذاك الشعور الذي يأتي حين وجودها كأنني في حضرة إشراق، إبتسامتها التي تكشف معنى الجمال و عيناها اللامعتان دوماً في مرح، مع خفتها و صغر جسدها يجعلاها تبدو كنسمة بيضاء، كصباح باهر، قوس قزح أمام غيمة رقيقة، و بغير نقائها يوجد خمول لونها كضوء مصباح صغير للقراءة في ليلة شتوية ممطرة، هذا الضوء العسلي كلون عينها، الخامل مثل لون شعرها، اللون المنساب إلى أعلى ذراعيها حيثها نديّة، حيث كل بشرتها ناعمة، و حية. أما العمق فلمشاعرها، أن عندها لا أياً مما أشعر، مهما كان مركب و متشابك، تعجز عن فهمه، بل بالغالب تعرفه مسبقاً، بل و تملك له أسماً، أما عما تشعر فرُب مذكراتها هي الوحيدة خلافها التي تعرفه بشكل كامل، هكذا علمت من الإقتباسات التي تريني إياها منها، مشاعر، حتى بكل قربي لقلبها و معرفتي به، أعجز عن فهمها سريعاً، في حين يحملها قلبها ببساطة، و تبقى عيناها، رغم كل عمقها، بريئة، و يظل صوتها حين تتمتم : أحبك. الأنقى في أذني و في العالم.


ألتقيت بون قبل ما يقرب 4 أعوام، كان كلانا حينها في بدايات تشكيل ذاته، و هذا ما جعلها تبدو جداً متلهفة لرؤية كل العالم حين رأيتها لأول مرة، أعني بدى واضحاً عليها أنها ترغب بالجري و التبسم بلا توقف، أو أن تلتقي كل إنسان في الأرض، لكنها بشكل ما لم تكن تدرك بتلك المرحلة كيفية فعل هذا، رُغم بقاء رغبتها تلك قوية بشكل كافي للحديث إليّ حينها و بعينيها فضول. ببدايات تشكيل ذاتي كنت عكسها، كقطعة ثلج، أعني النوع الغير شفاف ببياض يميل بعيداً عن النقاء، لذا كانت نظراتي شاردة و خاوية، لم أكن بتلك المرحلة أفهم مثل تلك الرغبات المرحة كرغبتها، رُب لجهلي بضخامة العالم خارج نفسي، لهذا صادقتها فقط بما كان بي من عمق، فكنا نتناقش بإنتظام، لكنها كرهت تلك النقاشات كونها كانت لم تتعلم بعد كيفية فصل ذاتها عن موضوعية النقاش، كانت تغضب، يا إلهي، كانت تغضب حقاً، أعني نوع الغضب الذي يُرَّغِب في خنقي بلا أدوات، فقط كفين، للإستمتاع!


بالأعوام الثلاثة التالية، أي حتى نهاية 2009، أزداد بصداقتنا معرفة تفاصيل الآخر، لكن لم يكن قربنا يزيد بل بقى ثابت، يعلم كلانا الآن أن لهذا سببان، أولهما إنشغال كل منا بأشخاص في حياته، و ثانيهما عدم وصولنا لتطور كافي بشخصيتينا، لذا مرت تلك الأعوام بلا تفاصيل مهمة سوى معرفة كل منا بالآخر بشكل شاسع، ثم، و لأسباب عديدة، بدأت شخصيتها التي كانت عليها من بداية إدراكها للعالم، بدأت مع أول 2010 بالتفكك الإيجابي، أي إختفائها بسرعة تاركة فضاء ضخم لبناء شخصية جديدة نابعة من إختيارات و إرادة ذاتية، بلا نسخ غير واعي لنموذج مجتمعي، حدث هذا الإختفاء و بدأت بون ببناء ذاتها من جديد، كل هذا في غضون شهرين، كنا إلى حينها كما كنا دوماً فقط أصدقاء، لكن قبل أن يدرك كلانا كنا بتلك الأيام نقترب من بعض أكثر كل يوم، هذا التغيير الذي بدأته ساعدنا على هذا و أخذني مع إزدياد قربنا عنصر أساسي في تشكيله، في حينها أصبحت عنصر أساسي في حياتي.


و مع قدوم الشهر السادس من هذا العام وصل قربنا إلى درجة يمكن وصفها بمثيرة للتوتر، ببساطة كنا اشبه بحبيبين منا بصديقين مقربين، لكني لم اسألها لعلمي عدم رغبتها في علاقة، فسبقتني بالسؤال : ألا يوّترك مدى قربنا ؟. أذكر وقع السؤال علي، أذكر ذهني و هو يصيح بداخلي : Oh shiiiit, lie, lie, LIE. في حيني أنظر بعينيها للحظة، ثم أهمس : أحبكِ. لم أستطع أن أكذب، عادة تستمر الحكايات من هنا قائلة بأنها ذكرت لي حبها أيضاً، ثم أحتضننا بعضاً و عشنا في سعادة أبدية، لكن لكون تلك الحكاية عن الواقع، أخبرتني أنها ستجيب غداً، و تمنيت لها ليلة حُلوة و كلي تفهم، و إنتظار، ثم أتى الغد و أخبرتني ما لم أتوقعه، أن سبب سؤالها هو أنها تحبني، و أخبرتني كذلك ما توقعته، أنها رُغم هذا لا تريد علاقة حالياً، لكننا بذات اليوم قمنا بمسح العناوين عما بيننا، أي لم يعد عنواننا أصدقاء، لم يصبح أحباب كذلك، ببساطة لم يكن لنا عنوان، فقط نعيش كما نرغب، نفعل ما نريده، بلا عنوان يحدنا، بلا عنوان يُلزمنا.


معرفتنا الشاسعة ببعضنا من الأعوام السابقة كانت هي السبب الرئيسي بتحقق قربنا لتلك الدرجة بتلك السرعة، فلم نكن ببداية 2010 شخصين يلتقيان بعضهما لأول مرة، بل كانت الأعوام الثلاثة تجعلنا نعلم تفاصيل كثيرة جداً سرعت من تقاربنا مع حدوثه، و مع تحقق تلك المصارحة بالشهر السادس بقى تقاربنا في إزدياد إلى أغسطس، يوم 31 منه، الساعة الرابعة عصراً، حينها كنا نتحدث في أمور عشوائية فقالت في لحظة و بلا مقدمات : أريد أن نصبح أحباب. هكذا في لحظة أرتفعت عن الأرض فرحاً، في لحظة تسائلت ألف مرة عن صحة سمعي، في لحظة أقيمت بداخل رأسي إحتفالات و ألعاب نارية و و وجوه تصيح : Hell yeah. و أمور عديدة أخرى، ثم مرت اللحظة و سألتها بهدوء كأنني لا أتقافز سعادة بداخلي : أواثقة ؟. ايماءة رأسها و عيناها اللامعتان ببراءة أجاباني، لتبدأ مرحلة جديدة أصبحت بها نصف كيان، مرحلة مر عليها الآن شهور خمسة يبدون كأنهم أبدية في مدى إمتلائهم بالتفاصيل و الأحداث، لكنهم كستة دقائق في ساعة عمرنا.


بواقعية : كل أسبوع نكتشف بضعة أمور جديدة في كلانا، نضع فهم أكثر للعالم خارجنا، نختلف لكن بحد منخفض جداً، إختلاف صحي، نعي أننا جسد واحد بنبضين، عقل واحد بمركزي شعور، لا نؤمن بأمور كالمستقبل و توائم الروح، لا نؤمن سوى باللحظة، بأنها حقاً حين تمر فهي للأبد لن تعود، لذا نعيشها إلى أقصى درجة و لا نقلق كثيراً، عل هذا سبب إختلافنا القليل، و لنا ألف ملمح آخر، أكثف نحن من أن نوضع بسطور، أغنياء جداً، أغنياء بمن نحن عليه.

Advertisements

4 تعليقات to “Bon”

  1. chictopia1 Says:

    ربنا يهنيكم ببعض

    <3

    …………….

  2. FAR...CRY Says:

    أشكركِ وصال، و لمتابعتك المستمرة زهرة =)

  3. Bonbona Says:

    أثني جداً في قلبي على مهارتنا بحصر الحياة كلها في اللحظة التي نقضيها معاً وفقط ..حقاً يحيى هذا المهم هذا أفضل شي جعلتني أدركه معك ، ولاأرغب أن تتسع الحياة أكثر إلا وقد تمكنّا من إحاطتها قدر الإمكان ،بالشكل الذي نريده :) ..

    “ببدايات تشكيل ذاتي كنت عكسها، كقطعة ثلج”
    آممم هل ترى أن الأدوار عُكست تماماً الآن P: ?
    أنت قادر على صنع القوس قزح الثامن ياعزيزي وأخمّن أنني سأصنع التاسع معك يوماً ، ربما
    _
    تسلمي وصال :)

  4. FAR...CRY Says:

    أحبنا لذات السبب جداً، لتلك القدرة على لملمة حتى أكثر اللحظات تناثراً كي نختبرها كلانا في وحدة إدراك، و أحبناً أكثر بون، أحبناً جداً لألف سبب آخر.

    أدوارنا لم تنعكس فعلاً، ففقط تغيرت أنا إليكِ، و إزدادت بكِ القدرة على إدراك الجمال، و بقيت عيناكِ شقيتين كـ دوماً، مرحتان، تلمعان في بهجة، حتى بكل عمق اللون العسلي بهما :)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: