الأخلاق : 2. من الميكانيكية إلى الكمومية.


ذات يوم، و بفضل التأثر بالفصل الديكارتي الذي تحدثنا عنه سابقاً، قال فرانسيس بيكون أن هدف الإنسان هو تحقيق التغلب على الطبيعة و إخضاعها، معبراً بهذا عن الرؤية المشوشة للطبيعة على أنها مورد غامض يجب هزيمته و السيطرة عليه، و رؤية الإنسان من الجانب الآخر على أنه حاكمها، رُغم أنه بذات الوقت مجرد ترس ضئيل في آلة الطبيعة الضخمة العديمة المعنى، مجرد جزء من كون ميكانيكي أسقط عنه إرادته و مسؤوليته عن أفعاله.


الإتجاه الكارثي الذي يسلكه الإنسان حالياً في تعامله مع الطبيعة لن يغيره سوى تغيير الوعي العام للبشر، الوعي العام الذي يحكمه الآن إعتقادات عن علم قديم خاطيء، لكن علم القرن العشرين غير تحديداً من تلك الإعتقادات التي صنعت مشاكلنا الحالية، فهو يُظهر بشكل تلقائي -كما أوضحنا بسلسلة مقالات العقل- مفهوم جديد عن الإنسان يختلف جوهرياً مع مفهوم القرن السابع عشر، فأول ما قام به هو تفكيك أسس الحتمية بإثبات الأصل الكمومي الإحتمالي لكوننا، و لم يخص مجال معين بهذا الأصل، بل كما أوضح شرودنجر عبر مثاله الشهير عن قطته أن هذا الأصل الإحتمالي يمتد من أصغر الجسيمات إلى أكبر الأجسام.


التغيير الثاني الهام يتعلق بفكرة المادة و الكون المادي، فلم يعد الكون يتكون من جسيمات صغيرة تشبه كرات البلياردو تحكمها قوانين حتمية كقوانين نيوتن، أو حتى من حقول كلاسيكية كالحقول الكهرومغناطيسية، بل أصبح الكون مكون من أمرين، أولهما الإحتمالات الموضوعية، لكن تلك الإحتمالات رغم أنها حقيقية بمعنى ما، إلا أنها غير موجودة فعلاً بمعنى آخر، فيأتي هنا المكون الآخر و هو ما يعرف بأسم الأحداث الكمومية، تلك هي الأشياء الحقيقية في الطبيعة، رغم أن الإحتمالات أيضاً حقيقية بشكل ما، كل حدث كمومي يصنع إحتمال شمولي يحتوي الكون بأكمله، و فيما تحكم الإحتمالات قوانين محددة، لا يحكم الأحداث أي قوانين حتمية، لذا فهي إختيارت تحقق نمط مرئي من النشاط في الكون المادي الظاهري.


هذا يأتي بنا للتغيير الثالث، و هو الرؤية العلمية الجديدة لوحدة الطبيعة، تلك الوحدة الجوهرية بين عناصر تم إعتبارها مفصولة سابقاً، تلك العناصر هي الأفكار و المادة، فالإحتمالات التي تشكل أحد عنصري الكون تمتلك طبيعة فكرية غير مادية، بينما تصنع الأحداث الكمومية تلك المادية الظاهرية، لذا فالإنفصال الظاهري بين الأشياء الفيزيائية الطبيعية، كالإنفصال بين الكرسي الذي تجلس عليه و الكرسي الذي أجلس عليه، هو مجرد تأثير أستاتيكي وهمي ينبع من الأحداث الكمومية المتتالية.


من أهم نتائج تلك التغييرات أننا لم نعد مجبرين على إعتبار الوعي مجرد مشاهد لعمل الآلة الميكانيكية الكونية بدون أي قدرة على التأثير عليها، فالوعي يتم تعريفه بشكل تلقائي و طبيعي بنوع الأحداث الكمومية التي تصنع نشاط عصبي واسع النطاق في المخ البشري كما سبق الحديث، و لأن تلك الأحداث غير حتمية من جانب، كما أنها من جانب آخر غير عشوائية لأسباب عديدة نستعيد منها ما قاله هايزنبرج عما أسماه بالإختيارات ذات المعنى، و للبساطة و عدم التعمق في الحديث العلمي، نذكر سبب آخر بديهي، فبما أن المخ يعمل بطريقة كمومية، و ميكانيكا الكم مثبتة، و بما أننا بذات الوقت لا نجد أجسادنا تتحرك بشكل عشوائي بكل إتجاه، فالإختيارات بذات البساطة غير حتمية و واعية و عن إرادة، للتعمق بتلك النقطة يمكن الإطلاع على النموذج الرياضياتي الذي وضعه الفيزيائي von Neumann في كتابه Mathematical Foundations of Quantum Theory.


مع عودة الإنسان تلك ليصبح جزء من الطبيعة، و قدرته على أن يقرر أفعاله و يختارها، ينشأ نسق أخلاقي يعيد مسؤولية الإنسان عن أفعاله، و يدعم تلك المسؤولية الوحدة الطبيعية التي تجعل من الوعي قدرة خلاقة ديناميكية ذات دور حيوي في تشكيل العالم من حولنا، هذا التحول في الصلة بين الإنسان و الطبيعة من النظرة الحتمية المنتشرة بين العامة سيحول الإنسان من إعتبار ذاته مجرد كتلة من البروتوبلازما التي تصارع للحياة في كون عديم المعنى في محاولة لهزم الطبيعة، إلى إعتبار أنه مشارك في الكون و جزء من الطبيعة غير منفصل عنها.


ساد لمئات الأعوام إعتقاد بإستحالة إستنتاج نسق أخلاقي من العلم، فهذا الإعتقاد كان يرى أن أقصى حدود العلم تتمثل في تحديد مدى الإلتزام بالنسق الأخلاقي، لكنه لا يستطيع صنع النسق الأخلاقي ذاته، فالعلم يتحدث عن حقائق بينما الأخلاق تتحدث عن قيم، لكن هذا الإفتراض الفاصل بين الحقائق و القيم خاطيء لأنه يتجاهل علاقة قوية يبينها Roger Masters في كتابه The Assumptions and Techniques of Science :


‹‹ يجب علي أن أتصرف تبعاً لتصوري المبني عقلانياً عن ذاتي ››


لذا فالنسق الأخلاقي الذي يقوم على هذا يعتمد في تفريقه بين الإنسان الجيد و الإنسان السيء على أمرين يحددان مدى إحترام الإنسان لمسؤوليته، المعرفة من جانب، و السلوك من جانب آخر، و يصل بينهما التصور العقلاني عن الذات، فيحكم قيم الإنسان ما يعتقده، فإن قام بسلوك يتفق إيجابياً مع معرفته و لا يراه الإنسان سلوك سيء من الناحية العقلانية، فهذا يجعله إنسان جيد، أما إذا تصرف بشكل يختلف مع معرفته و تصوره عن ذاته، فهو هنا يُدرك مباشرة أنه يسيء إستخدام مسؤوليته، و يشعر -بدون مراقب- أنه يخالف الجيد من الأمور، أي أن هذا النسق الأخلاقي القائم على العلم هو نسق أخلاقي نسبي، قيمه غير ثابتة و تتغير من شخص لآخر، إلا أنها غير مبعثرة، بل تقيم كل شخص حسب ما قام به من أفعال، الأفعال التي يؤمن أنها جيدة تحتسب كذلك، و الأفعال التي يؤمن أنها سيئة تحتسب ضده، كما يصبح مشارك إيجابي في العالم لكونه جزء واعي منه لا ترس يعمل بلا رحمة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: