بين النفس و علاجها.


مازال الطب النفسي لليوم يقوم على أساس خاطيء و متضارب في الفهم الفسيولوجي للإنسان، هذا الأساس الذي يظهر أثره في إعتماد الطب النفسي على العقاقير و المواد الكيميائية بشكل شبه كامل، بشكل أيضاً يقف معه الطب النفسي حائراً أمام أمراض مرتبطة بأسئلة تمس هذا الأساس الخاطيء، و تكشف عن مدى التناقض الباقي بعمق الطب النفسي لليوم، هذا التناقض الناتج عن الإعتماد على الفيزياء الكلاسيكية التي ثبت خطأها منذ مائة عام، رغم أن الفيزيائيين قاموا بإستبدال تلك الفيزياء بفيزياء بديلة تختلف عنها جوهرياً، إلا أن الطب النفسي لليوم لم يتخذ تلك الخطوة التحديثية، لذا بقى بين الفسيولوجيا الكلاسيكية و الحتمية السلوكية، هنا نستعرض لأهم مشكلتين أو تناقضين ناتجين عن هذا، و اللتان تدلان على خطأ الأساس المستخدم اليوم و حاجته لرؤية جديدة تماثل تلك التي سبق عرضها في سلسلة العقل.


أول و أشهر تلك المشكلات هي ما يمكن تسميته بمشكلة الخبرة، فالفهم الفسيولوجي المستخدم في الطب النفسي اليوم ينظر للمخ بنظرة إختزالية، أي أنه يراه قابل للتفسير عبر تفكيكه إلى مكوناته الأساسية، بإعتبار أن المخ ككيان واحد لا يساوي سوى مكوناته المفككة، مكوناته المفككة تلك هي الذرات المتحركة و المتصادمة بإستمرار به و التي يحكمها -حسب هذا الفهم- قوانين نيوتن للحركة، مشكلة الخبرة تظهر هنا حين نسأل : كيف يمكن أن تنشأ خبرة موحدة من حركة الذرات ؟، كيف، مثلاً، حين نوجه عيوننا لفراشة فيقوم العصب البصري بإرسال إشارة كهربية إلى المخ، يظهر بمخنا حينها صورة تلك الفراشة بدلاً من أن نشعر بمجرد مجموعة من تصادمات الذرات ؟، كيف تتحول حركة الذرات إلى فكرة أو صورة فراشة أو لحن موسيقي أو فرحة أو لذة ؟.


الفيزياء الكلاسيكية لا تقدم أي إجابة لهذا السؤال، فهنا ينقصها علاقة سببية واضحة بين حركة الذرات و حدوث الأفكار، و هذا ما يمثل عيب و نقص خطير بها، و بالحقيقة أفضل ما يمكن إستخراجه من الفيزياء الكلاسيكية هو السيناريو التالي : حين يقوم العصب البصري بإرسال الإشارة الكهربية إلى المخ، تُحدث تلك الإشارة تنشيطات عصبية و تتحرك ذرات هنا و هناك، ثم، تحدث معجزة، و نشعر أننا نرى فراشة. خطوة حدوث المعجزة تلك تحدد المكان الذي تقف فيه الفيزياء الكلاسيكية عاجزة، فالفهم غير الكلي -و بالتالي غير الكمومي و غير الحتمي- للمخ يؤدي لإستحالة حدوث الخبرة، الفيزياء الكلاسيكية تقول ببساطة أن الخبرة مستحيلة، لا يوجد إدراك، بل أن حدوثه غير منطقي، لذا فهي، و بشكل واضح، تتناقض مع قدرتنا الإدراكية التي بواسطتها قام نيوتن بإستنتاج تلك الفيزياء بالأساس.


المشكلة الثانية تتعلق بالتطور البيولوجي، فالفيزياء الكلاسيكية تؤكد أن الوعي لا يمكن له تحت أي ظرف من الظروف التأثير في المخ أو في حركة الجسد، فهو بأفضل الأحوال مجرد متفرج، أثر جانبي لحركة الذرات بالمخ، لا متحكم أو قائد لحركة الجسد، أي أنه لا يوجد تأثير سببي من عمليات الوعي على عمليات المخ، لكن إن كان هذا صحيح، فلكانت الكائنات التي تمتلك وعي ناتج عن المخ بنفس أفضلية الكائنات التي تمتلك مخ فقط بلا وعي ناتج عنه، الإنتقاء الطبيعي لم يكن ليفضل الكائنات التي تمتلك أفكار عن مكان الطعام مرتبطة بالمكان الحقيقي للطعام على الكائنات التي تظن دوماً أن الطعام موجود خلفها.


خلال القرن العشرين أصبح من الواضح عدم إتفاق التطور البيولوجي للكائنات وصولاً للبشر مع الفيزياء الكلاسيكية، فالتطور يختار العناصر ذات الفائدة للكائن الذي يحدث له التطور و يزيل العناصر التي لا فائدة لها، فمثلاً تم تطوير الأسنان لأنها تمثل عنصر يساعد الكائن الذي يمتلكها على تقطيع الطعام مما يشكل فائدة سببية لتلك الأسنان، لكن إن لم يكن للوعي تأثير على حركة الجسد، فلم تم تطوير الوعي بالكائنات التي تمثل أقصى خطوات التطور كالدلافين و الإنسان ؟، أو حتى إن أفترضنا العكس، أن الوعي كان موجود من البداية، فلمَ لم يقم الإنتقاء الطبيعي بإزالته ما دام الوعي مجرد متفرج لا فائدة منه ؟، فيما يتعلق بتلك الأسئلة يقول ويليام جيمس :


‹‹ أي عضو، مضاف إلى الأعضاء الأخرى، يحافظ على الحيوان في صراعه للبقاء، أي أنه بالتأكيد يساعد الحيوان بطريقة ما في صراعه هذا، لكن هذا العضو لا يستطيع أن يساعده إلا إن كان محركاً أو له تأثير على حركة الحيوان الجسدية ››


هنا أيضاً تقف الفيزياء الكلاسيكية، و من ثم الفسيولوجيا الحالية، عاجزين عن الإجابة عن الأسئلة السابقة، فإن كان كلاهما صحيح لوجب ألا يظهر شيء كالوعي عبر العملية التطورية، و لوجب بالتالي عجزنا عن أن نعي العالم و لعجز أن يستنتج نيوتن بواسطته الفيزياء الكلاسيكية، لذا من جديد تتناقض تلك المفاهيم مع ذاتها و تقوم عبر الإيمان بذاتها عبر إنكار ذاتها، مثل تلك التناقضات الموجودة بالطب النفسي لإعتماده على فيزياء مثبت خطأها تظهر حاجته الملحة لتحديث مفاهيمه من القرن السابع عشر و إلى القرن العشرين.


يمكننا عبر المشكلتين السابقتين أن نرى صفتين ضروريتين لهذا التحديث، فمن المشكلة الأولى نجد أن المفهوم الجديد يجب أن يحتوي على طبيعة غير إختزالية، أي طبيعة كلية، و من المشكلة الثانية نجد أنه يجب أن يحتوي على تأثير سببي من الوعي على المخ -مصحوب بالتأثير السببي المعتاد من المخي إلى الوعي-، هذا التأثير الذي يمكننا تسميته بالإرادة، هاتان الصفتان يقدمهما المفهوم الكمومي للمخ بشكل تلقائي مما يثبت أنه المفهوم الذي يجب على أطباء النفس الأخذ به حتى إن تطلب ذلك أن يخرجوا قليلاً من مجالهم لكي يفهموا ما الذي يدرسوه حقاً، هذا المفهوم يأتي بصفة أخرى غير ما سبق، و هي الصفة النابعة من أساسه الكمومي الإحتمالي، ألا و هي الحرية، و التي يسقط معها السلوكية الحتمية و يظهر -مع الصفتين السابقتين- خطأ بل و بشاعة معاملة المخ البشري على أنه محرك سيارة يتم تشحيمه بالعقاقير و المركبات الكيميائية كلما تعطل أو لم يعمل كما يجب.

Advertisements

2 تعليقان to “بين النفس و علاجها.”

  1. Mariamah Says:

    النتيجة التي وصل إليها حديثك بخصوص أن الصفة النابعة من أساس العقل الكمومي الإحتمالي هي الحرية، التي تُسقط فكرة السلوكية الحتمية..هي نفسها التي تثبت مسئولية الإنسان عن اختياراته.

    بالتالي لن يكون العلاج النفسي وفقًا لهذا المفهوم قائمًا على تعديل كيمياء المخ، وضبط الهرومونات المؤثرة، وعلاج الأعراض الجسدية للأسباب النفسية..وفقط، بقدر ماهو تقييم مدى قدرة الإنسان على التطور الشخصي، والتعامل مع الضغوط، والتأقلم مع المصائب، ومن ثم تقوية مناطق الخلل عنده.

    كجزء من توعيته بمعنى حريته، وفتح الباب أمام استخدامها بشكل فعال بدل الركون لمسألة الظروف وتأثيرات اللاوعي القاهرة..

    لأن صفة تأثير الوعي على المخ المتبادلة مع تأثير المخ على الوعي، تقتضي ديناميكية، وتفترض قدرة على تبديل الأدوار..بشكل يؤدي إلى تغذية اللاوعي بشكل واعي..
    بمعنى زرع فكرة معينة، أو استجابة معينة، حتى تصبح مهارة لا واعية.

    ومسألة زرع الأفكار هذه هي ذاتها نابعة من مفهوم الاحتمالية لا الحتمية السلوكية..
    أي تعدد احتمالات رد الفعل تجاه الظروف والأفعال. فبالتالي، يمكن التفعيل مع زيادة الوعي واستخدامه في ذلك..والله أعلم.

  2. FAR...CRY Says:

    مسئولية الإنسان عن أفعاله بالمناسبة تزيد من قوة النسق الأخلاقي الناتج عن تلك النظرة الجديدة إلى الإنسان و طبيعته و مكانه بالكون، فالحرية لا تجعله يتصرف على أساس من تصوره العقلي عن ذاته و فقط، بل تضيف تلك المسئولية أيضاً بالتأكيد.

    بالعودة لمحور الحديث هنا، ففعلاً على هذا الأساس لن يكون العلاج النفسي مجرد محاولات لتغيير كيمياء المخ بدون تقديم علاج حقيقي ، لن يكون معالجة للأعراض بدون معالجة للأسباب، بل سيدخل به بالطب النفسي مجال علم النفس -الذي أعجب من كيفية عدم دخوله به بشكل طبيعي- و حين يحدث هذا سنرى صور أخرى لمرضى الإكتئاب الذين يعيشون حالياً طوال حياتهم على الحبوب القاتلة للمشاعر و من شابههم.

    بالمناسبة، ذكرني حديثكِ عن تأثير الوعي على المخ بأنني سأكتب قريباً سلسلة قصيرة، ربما لا تتخطى مقالين، أقدم بها دراسة متخصصة للعقل و أركز خاصة على طريقة تأثير الوعي على المخ، و هو أمر لم أركز عليه كثيراً في سلسلة العقل السابقة لرغبتي في إبقائها سلسة و مناسبة للجميع.

    بالنهاية أود إعلامكِ بترحيبي بكِ، فأهلاً بك جداً هنا، و أضيف شكري لكِ لإشتراككِ بالمدونة (f)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: