الإسلام : 1. لمَ الله ؟


قبل حوالي 2500 عام قال الذريون اليونانيون -لوقيبوس و ديموقريطوس و غيرهم- بأن الكون يتكون من ذرات صغيرة و قدموا نظريتهم الذرية، ليمر الزمن و يأتي بعد ما يقرب 1500 عام من هذا كيميائيون يحاولون تحويل التراب إلى ذهب إعتماداً على تلك النظرية!. النظرية الذرية ليست الفكر الوحيد الذي فقد معناه الحقيقي في عقول الغالبية بمرور الزمن، بل جميع الإعتقادات و الأفكار يحدث لها نفس الشيء، فتوارثها من جيل إلى جيل يؤدي بالنهاية لقدوم جيل لا يعرف تلك الأفكار على حقيقتها، بل يعرف فقط نسخة مشوهة و مهترئة منها، و هذا تحديداً ما حدث للإسلام أيضاً.


الإسلام المنتشر بين المسلمين اليوم هو تلك النسخة المهترئة من الإسلام الحقيقي، لتمييزها عن الإسلام الحقيقي يمكن تسميتها بالإسلام المجتمعي، و هذا التمييز ضروري لأن الإسلام المجتمعي لا يفهم أي قاعدة من القواعد الأساسية للإسلام الحقيقي، المسلم العادي اليوم لا يعرف معنى كلمة مسلم حقاً، لذا نرى الكثير من المسلمين في صراع نفسي مع تصورهم المشوه عن الإسلام، صراع يحدث بالأساس بسبب عدم إتفاق تصورهم هذا مع كل شيء، بداية من الأخلاق الطبيعية السوية و إنتهاءاً بالعلم، هذا الصراع، مضاف إليه جهلهم بالإسلام، يؤدي بالكثير منهم إلى إنكار أجزاء كبيرة منه، و هو إنكار لا يلبث أن يتحول للمرض النفسي المعروف بأسم الإلحاد المجتمعي.


القواعد التي يقوم عليها الإسلام معدودة على أصابع كف واحدة، من تلك القواعد البسيطة يقوم البناء الإسلامي كاملاً بكل ضخامة محتواه الفكري و العقائدي، و الإهتراء الأساسي الذي حدث بالإسلام كان في صورة التركيز على الأمور الفرعية المستنتجة من القواعد الأساسية بدون فهم أو حتى معرفة لتلك القواعد، أحد تلك القواعد هي الكيان الإلهي.


المفهوم المشوه عن الكيان الإلهي هو أن الإله : كائن عاقل يغضب و يحب و يكره. لكن هذا المفهوم يبتعد جداً عن المفهوم الحقيقي لثلاثة أسباب، أولها أن الإله ليس كائن عاقل، بل كيان مُدرك، فكلمة كائن لا تجعلنا نتصور الإله ككائن يشبهنا و فقط، بل تجعلنا نتصوره كمخلوق لا خالق، الإله الحقيقي كيان، لا شكل معين له، أبدي، خارجي عن الكون، هذا الكيان غير عاقل، فالتعقل فعل بشري يتطلب مخ و حواس، لذا فالكيان الإلهي مُدرك، لكن إدراكه ليس كالإدراك البشري الناتج عن العقل.


و هذا ما يأتي بنا للسبب الثاني من أسباب إبتعاد المفهوم المنتشر عن الصحة، فالإله لا يغضب كغضبنا، لا يحب أو يكره كما نحب أو نكره، فالأفعال الإلهية ليست من نوعية الأفعال البشرية، فغضبنا البشري مثلاً يكون شعور برغبة في ضرب شخص ما، لكن الغضب الإلهي، و كذلك الحب و الكره الإلهيان، لا يشبهون المفهوم البشري عن تلك الأفعال، فلا يوجد هنا سوى تشابه بالأسماء فقط بينما طبيعة الفعل بين الإله و الإنسان تختلف تماماً، فالإله كما ذكرنا خارجي عن الكون، و لهذا لا نستطيع أن نفهم أفعاله بقوانيننا و مفاهيمنا التي انشأناها عبر قدرتنا على الإدراك، هذا لأن إدراكنا لا يستطيع أن يشمل سوى الأشياء التي بداخل الكون لا التي بخارجه.


أما السبب الثالث فهو يتعلق بصورة أو شكل الإله، فالإله لا يشبه رجل ضخم بالسماء، إن حاولنا البحث عن الإله علمياً فلن نجد العلم يحدد لنا أن هذا الكيان تحديداً هو الإله، فنحن لا نعلم شكل الإله لنستطيع معرفة أهو هذا الكيان أم ذاك، كل ما نعرفه هو أن وجود الإله ضرورة، ببساطة لأننا موجودين، فوجودنا يثبت أن هناك كيان أوجدنا -أو بالأصح أوجد الكون- و أياً كان هذا الكيان فهو الإله، أياً كان السبب الأول فهو الإله، لهذا فمن السخافة حين نحاول تأكيد وجود الإله أن نبحث عن كيان يشبه مثلاً رجل ضخم خلق كل شيء، بل يجب أن ندرك أن السبب الأول هو الإله، لذا لا حاجة لإثبات وجود الرجل الضخم كي نثبت وجود الإله، بل فقط نحتاج لإدراك ضرورة وجود سبب أول بما أننا موجودين، لذا فالتصور الحصري عن الإله بأنه يجب أن يكون في صورة تخيلنا عنه هو الذي يجعلنا نبحث عن الإله حتى إن وصلنا إلى السبب الأول تماماً، فحتى إن حدث هذا نستمر بالبحث عن الإله الذي خلق هذا السبب الأول بدون أن ندرك أن الإله هو ذاته السبب الأول.


لكن، لمَ الله ؟، لمَ لا يكون هذا الإله -الكيان الإلهي الضروري الوجود- هو إله ديانة أخرى غير الإسلام ؟، هذا السؤال بالحقيقة يقع فيما يُعرف بمشكلة التسمية، لفهم ما هي مشكلة التسمية نأخذ مثال بسيط، يقف شخصان بهذا المثال أمام شجرة، أحدهما يقسم و يؤكد أن تلك الشجرة هي شجرة تفاح، بينما يؤكد الآخر بذات الإصرار أنها شجرة Apple، و لا يدركان أن كلمة تفاح تساوي كلمة Apple، لذا يستمر ظنهما بأنهما يتحدثان عن أمرين مختلفين، السؤال عن : لمَ الله. يشبه هذا المثال، فيمكن أن أعرف الكيان الإلهي بأسم آخر غير الله، و حين أتحدث معك تظنني أنكر وجود الله، هذا لأنني أقول أسم مختلف للكيان الإلهي، بينما كلانا بالحقيقة يتحدث عن ذات الكيان.


لكن يبقى هنا السؤال التالي : لمَ هذا الكيان الإلهي، أياً كانت تسميتنا له، هو الكيان الموجود بالإسلام ؟. و الإجابة بسيطة، فنحن إن حاولنا إستنتاج بعض صفات الكيان الإلهي لخرجنا بصفات مثل الكمال، القدرة و العدل، و هي صفات لا تطابق سوى الكيان الإلهي الخاص بالإسلام، فبين الإله الثلاثي للمسيحية و الإله العنصري ضد جميع أجناس البشر سوى بني إسرائيل في اليهودية، و العديد جداً من الآلهة الآخرين، لا نجد بأي منهم كل الصفات التي يتصف بها الكيان الإلهي الضروري الوجود سوى بالإله الذي يتحدث عنه الإسلام، لكن لا يعني هذا أن كل هؤلاء الذين يوجد بخانة تعريفهم دين غير الإسلام مصيرهم في الآخرة بالجحيم، فهنا توجد مشكلة تسمية أخرى تتعلق بتصورنا عن الإسلام، فالتصور المنتشر المشوه عن الإسلام محدد و حصري جداً، تماماً كالتصور الحصري عن الإله، تلك المشكلة الأخيرة نتناولها في مقال تالي بإذن الله.

Advertisements

4 تعليقات to “الإسلام : 1. لمَ الله ؟”

  1. 77math Says:

    بداية مشوّقة..

    http://www.helali.net/salma/ar/books/mores.htm

    http://www.helali.net/salma/ar/reflect/judgment.htm

    هذا بعض ما أعجبني بذات الشأن.

  2. FAR...CRY Says:

    الرابط الثاني وجدت به الكثير مما نويت ذكره في مقالي الثاني، يتحدث عن نفس الأسس التي سأقيم عليها لاحقاً توضيح الصلة بين النموذج الأخلاقي الإسلامي و النموذج الأخلاقي العلمي، و كذلك توضيح العدل الإلهي.

    لا أظنكِ ستجدين بالمقال الثاني أموراً جديدة عليكِ، لكن أبقي بالقرب فأظنني سأقدم نقاط لم يتم التطرق لها مسبقاً =)

  3. Aziza Says:

    جداً رائع ..مُتابعة منذ زمن =) .

  4. FAR...CRY Says:

    من الجميل دوماً وضع وجهاً لزواري، تقديري لكِ يا فاضلة : )

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: