الإسلام : 3. و العلم الحديث.


إن كان الجهل صفة قبيحة، فنصف الجهل صفة كارثية، ففيما لا يؤذي الجاهل بجهله سوى ذاته، يؤذي نصف الجاهل بضعف علمه كل من حوله، هذا لأن ضعف العلم لا يؤدي فقط لتصورات خاطئة عن أغلب المفاهيم بالكون و الحياة، بل يقوم بدعم تلك التصورات الخاطئة بمنطق مشوه قائم على ما يظنه ضعاف العلم حقائق، بينما هي بالواقع أفكار تقع بين الفهم الناقص من ناحية و الفهم الخاطيء من الناحية الأخرى. أحد أشهر تلك التصورات الخاطئة هو تعارض الدين و العلم، أن العلم الحديث يثبت خطأ الأديان جميعاً، و منها الإسلام.


نحن، كعرب معاصرين، وُلدنا في مجتمعات غارقة بالجهل و الخرافة، و حاولنا شق طريقنا لكي نصل لفهم أفضل، وعي أرقى، أو فقط بعض التعلم لمستقبل أفضل، و خلال هذا يصطدم الكثير منا -و أنا أحدهم- بحائط التصور المجتمعي المشوه عن الإسلام، و لا يميز الكثير ممن يحدث لهم هذا الإصطدام بين التصورات المشوهة و الإسلام على حقيقته، فيبدأ إيمانهم يضعف شيء فشيئاً، إلى أن يلوموا الإسلام -الهش برأيهم- على ضعف إيمانهم، و هم اشبه في هذا بجاهل يلوم العلم على جهله، لكن لأنهم بتلك المرحلة يمتلكون قدر يكفي من العلم لإدراك حاجتهم لوضع أسس لربطهم بين الإسلام و ضعف إيمانهم، يقومون بوضع أسباب ثلاثة، و يرون كل سبب منها كافي بمفرده لإثبات هشاشة الإسلام.


السبب الأول يتعلق بالله كخالق للكون، فضعف العلم يدفعهم للظن بأن العلم الحديث أثبت أن الكون لم يخلقه إله، بل أمر آخر، هذا الأمر الآخر تحدده درجة ضعف العلم، فالدرجة الأضعف تعتبر هذا الأمر هو الإنفجار العظيم، الدرجة الأقل ضعفاً تعتبره التضخم العشوائي، ثم يليهم القائلين بحقول هيجز، فالتقلبات الكمومية، و أخيراً : أغشية نظرية M. لكن الغريب هنا أن تلك الأمور كلها جزء من الكون، التقلبات الكمومية، حقول هيجز، و حتى أغشية نظرية M، كلها أمور أصبحت موجودة عندما أصبح الكون موجود، قبل ظهور الكون إلى الوجود لم تكن تلك الأمور موجودة كي تخلق الكون، أعني، لا يمكن أن ننظر لجسدنا ثم نختار أحد أعضاءه، الكبد مثلاً، و نقول : هذا هو ما أتى بي للحياة. تماماً كما لا يمكننا النظر للكون و إختيار أحد مكوناته لنعتبره المتسبب بخلق الكون.


هذا ما يميز الله كخالق، فالله ليس جزء من الكون، الله موجود قبل أن يُوجد الكون، و العلم الحديث، إلى لحظتنا الحالية، لم يستطع تحديد السبب الذي صدر عنه الكون، فأقصى ما وصل له العلم للآن هي أمور مازالت جزء من الكون، و ما قام به العلم الحديث بالعقود الأخيرة هو الوصول لمستويات أعمق من فهم التسلسل الذي جعلنا بالنهاية موجودين بهذا الكون، لكنه لم يخرج من حدود الكون إلى الآن، رغم إمكان خروجه عن تلك الحدود بالمستقبل، قد يصل العلم لسبب خارج الكون تسبب في خلقه، إن فعل العلم هذا، فسيكون قد وصل للسبب الأول الحقيقي، أو ما نسميه : الله. كما أوضحنا سابقاً.


السبب الثاني يتعلق بالله ككيان واعي، فحتى إن سلمنا بأن للكون سبب أول -و هو أمر بديهي حقيقة- فهذا لا يعني أن هذا السبب الأول هو كيان واعي كإله الإسلام، و رغم أن هناك ضرورة و تدليل منطقي لوجود كيان ما كسبب أول، إلا أنه لا توجد مثل تلك الضرورة أو التدليل المنطقي على أن هذا الكيان واعي، لكن لننظر للجانب الآخر، إن لم يكن هذا الكيان واعياً، إن كان السبب الأول مجرد جماد كأي صخرة، فما كيفية تسببه في ظهور الكون ؟، كيف إختار السبب الأول الجامد خلق كون تحكمه قوانين حيرتنا ككائنات مفكرة و مازالت تحيرنا في محاولة معرفتها ؟. فحتى الشكل الأبسط تماماً للكون و الذي نجده بالمستوى الرابع من نظرية الكون المتعدد -و الذي يشمل بداخله التقلبات الكمومية و حقول هيجز- يحتاج تحديد قانون يشبه اللوغاريتمات الإجرائية، و هو قانون، رغم بساطته، لا يستطيع كيان غير واعي تحديده، لذا فرغم عدم وجود ضرورة لأن يكون السبب الأول كيان واعي، إلا أن القول بأنه غير واعي هو بالحقيقة قول يتناقض مع العلم الحديث و يرتبط بقوة بضعف علم قائله، فالعقل و التفكير السليم يُظهران أن السبب الأول كيان واعي، رغم عدم وجود ضرورة منطقية لهذا.


أما السبب الثالث فهو يتعلق بنا نحن كبشر، يتعلق بحريتنا، فمع الوصول لتلك النقطة من توضيح خطأ الأسباب السابقة و ضعفها، يكثر أن تسمع علة النقص التي تقول بأن الله إن كان خالق البشر، فهو قد خلقهم ناقصين، فاسدين، يخربون و يؤذون و إلخ، بل أكثر من هذا، فهو الذي خلقهم بشكل يجعلهم يبتعدوا عن الدين رغم إستطاعته خلقهم بشكل يجعلهم جميعاً مؤمنين به تمام الإيمان. تحاول علة النقص بهذا المنطق -بعد الإضطرار للإعتراف بوجود إله خالق واعي- أن تخرب صورة هذا الإله فتجعل منه إله سيء، إلا أنها تجانب الصواب كلياً بسبب خطأ واحد، فالبشر ليسوا ناقصين، بل أحرار، كما أثبتنا بسلسلة العقل، الله خلق البشر أحرار، لم يخلق الله الشر أو الفساد كما لم يخلق الخير أو الصلاح، فتلك الأمور هي مفاهيم و ليست موجودات، لذا فهي لا تُخلق، ما فعله الله للبشر أنه تعالى خلقهم بتركيب يمنحهم به حرية الإختيار، فإن أختار بعضهم القيام بأمور فاسدة، فهذا ليس بسبب خلق الله لهم على تلك الصورة، بل بسبب إختيارهم، إن إختار بعضهم الإبتعاد عن الدين، فهذا أيضاً إختيارهم، و ذات الشيء للأمور الصالحة، فالله خلق البشر أحرار، فأستخدم بعض البشر تلك الحرية لكي يصبحوا ناقصين.


و بالحديث عن البشر و حريتهم، نجد أن العلم الحديث لا فقط لا يخالف الإسلام كما سبق، بل يتفق معه في أحد قواعده الأساسية، فبعدما بقى العلم لقرون طويلة بلا صلة بالأخلاق، أمكن أخيراً بفضل العلم الحديث -و خاصة الفيزياء الكمومية و علم الأعصاب- إستنتاج أول منهج أخلاقي علمي في تاريخ البشرية، و هو منهج تحدث عنه الكثير من كبار العلماء، و سبق لنا عرضه، و يقوم هذا المنهج على قاعدة وجوب التصرف تبعاً للتصور المبني عقلياً عن الذات، و هي نفسها القاعدة التي نجدها في الإسلام كالقاعدة الأخلاقية الأساسية به، أليس من المثير للإهتمام أن نجد مثل تلك المطابقة بين ما تم إستمداده من العلم و الفيزياء بشكل صرف و حيادي و بدون نظر للمذاهب الفكرية أو الدينية، و بين ما هو أساس للثواب و العقاب بالإسلام ؟.

Advertisements

4 تعليقات to “الإسلام : 3. و العلم الحديث.”

  1. قوس قزح Says:

    أعجبنى جداً قولك : إن كان الجهل صفة قبيحة، فنصف الجهل صفة كارثية
    البحث فى الأمور اللاهوتيه كان الى وقت قريب ممنوع و يعتبر تجديف فى الدين ولكن مع تطور مساحة الحرية والبحث و التحليل اصبح مستحب مناقشة تلك الأمور لعلها تكون فى صالح الدين أو العلم مع أن الأديان وقفت كلها عاجزة عن وصف ما يدور حولنا من ثورات علمية وصلت الى الهبوط على سطح كوكب من ملايين الكواكب الموجودة حولنا . وقفت الاديان عند وصف النجوم فى السماء بأنها مصابيح تزين السماء و هى مخصصة لرجم الشياطين ولم يفسر لنا علمائنا الأجلاء أكثر من ذلك وكلما تم اكتشاف حدث علمى جديد يقولوا لنا وما أوتيتم من العلم إللا قليل لكن وقفت عقولهم عند نقطة جامدة و عندما نسألهم يقولون لنا القرآن قال ذلك و عليكم التصديق بدون مناقشة لان القرآن قال ذلك فمعنى ذلك انه قول الهى وليس لك الحق فى مناقشة ما ليس لك به علم و هنا يقفل باب المناقشة .. وهنا يأتى ضعف الإيمان .. يأتى ضعف الإيمان بسبب ضعف الحجة ..
    السبب الأول : العلماء لم يتوصلوا أبدا الى ما قبل بدء الكون ونظلم العلم اذا وضعناه نداً للدين فى هذه المسألة .فالدين لم يقل لنا أى شيء بهذا الخصوص ..فقط قال لنا ان الله خلق السموات والارض فى 7 ايام ثم أستوى على العرش العظيم ..لكن العلم جاء بنظرية الانفجار الكونى العظيم واستندوا الى بقايا الأجرام السماوية اللتى أرتطمت بالارض و مقارنتها بصخور من الكواكب الاخرى وما الى ذلك من النظرية المعروفة ..وهو الى حد كبير يمكن تصديقه بالعقل و المنطق أكثر من نعرف فقط ان الكون تم خلقه فى 7 ايام فقط و نسكت ..العلماء لم يدعوا أنهم عرفوا من بدأ الكون .. لا زال أمامهم الكثير اذا اراد لهم الله ..
    السبب الثانى : العلماء يقولون بنظرية تصرف المادة الفيزيقى و خواصها فى حركة الكون من جاذبية وطرد مركزى وثبات حركة الكون ولم يدللوا على صحة هل خلق الكون عاقل أم لا فالأمر لا زال مبهم ولا يعتبر نقص لديهم ولكن تطور البحث ما زال سارياً مثل الالاف الاكتشافات اللتى تأتى لنا كل بضع سنوات ,, ولا اعتبره نقص فى العلم ولكن ممكن ان يكون فى الأدوات فمنذ 100 سنة لم تكن صورايخ الدفع موجودة لتنقل الانسان للفضاء ,, وهنا الدين لم يدلل لنا بطريقة مادية على أن الله خلق الكون .. نحن نؤمن بذلك لان الله ذكر فى القرآن انه خلق الكون .. وعلينا ان نقتنع بالمنطق ان اللذى خلق الكون هو الله لانه خلق عظيم ولابد له له من منشي ..نحن نعلم ذلك من ديننا بدون تفاصيل أكثر و نصدق انه الله لأنه لم يثبت لنا احد عكس ذلك ..
    السبب الثالث : كيف خلق الله الناس أحرار ؟ الم يجعل لكل فرد منا سيريال نمبر ..رقم مصنع وتاريخ وسيرة ذاتيه وكتبه فى اللوح المحفوظ و مكتوب على الكتالوج – فاسد – صالح – شرير – طيب ؟ وتم حفظة الى يوم القيامه .. فهل لو ان كتاب الفرد منا مكتوب فيه فاسد . وقام الفرد بعمل الخير طول عمرة هل يغير الله سيرته فى اللوحظ المحفوظ ؟ ويشطب صفته ويضع طيب ؟ هل الله يغير كلامه وقرارة ؟ كيف يكون الفرد حر إذن ؟ صحيح ان الفرد منا يتصرف ما يشاء لان العقاب لا يكون فى الحال فلا نقدر نعرف صفة الفرد المكتوب له انه سوف يذهب الى جهنم من الفرد اللذى يدخل الجنه فالكل له الحرية فى التصرف ولكن مهما فعل فالشرير شرير و الطيب طيب مهما عمل وموضوع المسير و المخير فى أن الشخص مخير فيما يستطيع ادراكة و مسير فيما لا يستطيع ادراكة فهى معادلة حار العقل فى تفسيرها . وسبب الحيرة شيء واحد فقط ان الله قال ان كل انسان قبل أن يولد كتبت جميع اعماله و نهايته فى اللوح المحفوظ وتم قفل حسابه مسبقا فى انتظار يوم القيامه ..

    ممكن يكون فى الدين الشيء الكثير اللذى يريحنا و لكن جمود عقول علماء الدين فى شرح كل شيء لنا هو سبب ضعف ايمان بعض الناس و ليس بسبب جمود و نقص العلم الدنيوى

    تحباتى لك .. i am male هههههه
    :)

  2. FAR...CRY Says:

    قوس قزح، أهلاً بك من جديد، سأعلق على النقاط الحيوية بتعليقك و ما لن أعلق عليه أكون في إتفاق معك فيه =)

    بخصوص الوصف الديني للأمور المختلفة، مثل وصف النجوم بأنها مصابيح و ما شابه، فكثيراً ما تكون تلك الأوصاف رمزية روحية و ليست فيزيائية، كمثل الثعبان الذي يأتي للموتى، و الملائكة و الشياطين و الجن، و غير هذا كثير، لذا فمثل تلك الأوصاف غير خاطئة، بل هي صحيحة، لكن من قلة العلم حقيقة يحاول البعض إثباتها بشكل فيزيائي.

    بخصوص خلق الكون، فأيضاً هنا لا إختلاف بين ما أكتشفه و ما سيكتشفه العلم، و بين خلق الله للكون في عدد أيام معين، فنحن لا نعلم ما المقصود بتلك الأيام لأن الزمن نسبي بأية حال، لذا كما ذكرت أنت، نحن دينياً لا نعلم شيء عن خلق الكون، و مازال العلم حالياً يحاول تحديد السبب الحقيقي للإنفجار العظيم من بين الأسباب المحتملة المقترحة من النظريات المختلفة، عل الـ LHC يكشف لنا شيء عما قريب.

    بخصوص حرية البشر، فتلك هي النقطة الأساسية التي أود التعليق عليها، غالبية البشر، لا فقط غالبية العرب، مازالوا لليوم يرون الكون على أنه كون كلاسيكي، له تاريخ محدد و مستقبل محدد و ما شابه، لكن كوننا كمومي البنية، أي أنه غير مُحدد بالطريقة الكلاسيكية و فكرة اللوح المحفوظ و ما إلى ذلك، و لهذا السبب -و عبر ما تحدثنا عنه من تركيب المخ في سلسلة العقل- يكون البشر أحرار أيضاً، قد يرفع هذا تساؤل بكيفية إتفاق هذا مع معرفة الله لكل شيء قبل حدوثه ؟، و تلك المشكلة قديمة جداً حقيقة و سبق ظهورها ظهور الإسلام، التساؤل عن كيفية التوافق بين حريتنا من جانب و معرفة الله من جانب آخر، لكن الكمومية تكشف إجابتها ببساطة، فلأن كوننا كمومي، فمعرفة الله على أدنى تقدير هي معرفة كمومية أيضاً، أي أن الله يعلم كل ما بالكون حقاً، في صورته الكمومية الحقيقية، لا الصورة الكلاسيكية التي نتوهمها بفضل أجسادنا، و يبقى علم الله متفق مع الحرية هنا، هذا لأن كلاهما يقوم على أساس كمومي.

    لذا فلا يوجد مثل هذا التحديد، فكرة أن الفاسد يولد فاسد و مهما حاول لن يغير من هذا، و أن الصالح يولد صالح و مهما حاول لن يغير من هذا، تلك الفكرة هي من أبشع الأفكار التي أنتشرت بشكل خاطيء بالإسلام و أكثرها إبتعاداً عن الصحة، و سببت تخريب ضخم في الإسلام و أنتجت فرقاً تشطح كثيراً بمفاهيمها القائمة على تلك الفكرة، و بالنهاية كانت تلك الفكرة هي السبب في ضعف الدول الإسلامية و سقوطها بالنهاية و تحول العامة لخاضعين جاهلين كما تفضل كثير من مفكرين العرب في العصر الحديث بالتوضيح، أتمنى منك إن لم تكن قد قرأت سلسلة العقل أن تقرأها كي تدرك مدى بشاعة و خطأ تلك الفكرة اللاإسلامية حقيقة.

    I know this time that you’re a male :D، إحترامي لك :)

  3. قوس قزح Says:

    شكراً لكما

  4. FAR...CRY Says:

    العفو عزيزي :)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: