العمر : 1. لمَ نموت ؟


كثيراً ما نسمع مقولة أن الحقيقة الوحيدة المؤكدة بالحياة هي الموت، فكل الكائنات، سواء بشر أو حيوانات، تموت عاجلاً أو آجلاً، و ضرورة الموت تلك تنبع من محدودية الموارد و الحاجة لإنشاء تسلسل يحافظ عليها، لكن تلك المقولة ليست دقيقة حقاً، فحتى الموت لا يمثل حقيقة مؤكدة لبعض الكائنات بكوكبنا، هذا لأن تلك الكائنات تغش الموت ذاته، فهي كائنات لا تموت، لا أنها فقط تعمر طويلاً، بل فعلاً لا تموت، كالـ Hydra و القنديل البحري Turritopsis nutricula، فلمَ لسنا مثلهم ؟.


خلال المائتي عام الأخيرين تزايد متوسط عمر الإنسان من 30 عام إلى ما يقرب 70 عام، لكن تلك الزيادة لم تحدث لأسباب بيولوجية، بل بسبب زيادة الأمان من الحروب و الأمراض، فإذا أستمر هذا الأمان بالتزايد بإستمرار، أسيظل متوسط عمرنا بالتزايد بلا توقف أيضاً ؟، على ما يبدو الإجابة هي : لا. فأجسامنا حالياً تكاد تصل لمتوسط العمر الأقصى، و الذي يبدو أنه يقع بنقطة ما بين 80 و 100 عام، فمتوسط العمر هذا لا تحدده الحروب أو الأمراض كما كان يحدث سابقاً، بل تحدده دورة الحياة البيولوجية لأجسامنا المحكومة بعملية الأيض، فبهذا السن تكون خلايا الجسم قد شاخت و كثرت بها الأعطاب، فيأتي الموت حين يظهر عطب عام غير قابل للإصلاح بأحد أعضاء الجسم الرئيسية، فيتنفس الإنسان للمرة الأخيرة، ثم تنتهي حياته.


تتحدث نظرية الـ Disposable Soma عن سبب موتنا عبر تساؤلها الأساسي : لمَ يصرف الجسد طاقته لكي يعمر للأبد إن كان إستخدامه سيحدث لفترة معينة من الزمن ؟. فتوضح تلك المقايضة التي تقوم بها أجسادنا بين الصيانة و الإصلاح من جانب و بين النمو و التكاثر من جانب آخر، فأجسادنا تستطيع أن تحصل كم محدود من الطاقة عبر الغذاء، تلك الطاقة يقسمها جسدنا فيذهب بعضها للنمو، و البعض الآخر لصيانة و إصلاح الخلايا و الجروح ما إلى ذلك، و أخيراً يذهب قدر كبير إلى التكاثر، فإن منح جسدنا نسبة طاقة أكبر للنمو و التكاثر لأصبح عمرنا البيولوجي أقصر بسبب صغر نسبة الطاقة المخصصة للصيانة و الإصلاح، و العكس صحيح، إن كانت الطاقة الممنوحة للصيانة و الإصلاح أكبر من تلك الذاهبة للنمو و التكاثر لأزداد عمرنا.


لكننا لا نستطيع إختيار تلك النسب بذواتنا، بل أختارتها أجسامنا خلال تطورها البيولوجي و المرور بالصراع من أجل البقاء، فخلال هذا الصراع كان لكل نوع من الكائنات طريقين أساسيين للحفاظ على وجوده و أستمراره، أول طريق هو أن يمنح الكائن الجزء الأكبر من طاقته الغذائية لتجديد و إصلاح خلاياه مما يجعله يعمر طويلاً أو حتى لا يموت، فيحافظ بهذا على أستمرار نوعه عبر إستمرار أفراده طويلي العمر، لكنه بالمقابل يقلل جداً من تناسله لذا مع طول عمر أفراده لن يوجد سوى عدد محدود منهم، أما الطريق الثاني فهو منح أغلب الطاقة للتكاثر مما يجعل عمر كل فرد على حدة محدود، إلا أنه يضمن إستمرار النوع عبر النسل، لذا فهذا الطريق يحاول الفوز في صراع البقاء لا عبر صنع أفراد قليلين عاليين الجودة و لا يموتون، بل عبر صنع أفراد كثيرين متوسطي الجودة و يموتون، و هذا بالحقيقة يزيد جداً من فرصة نجاحه في هذا الصراع، فهذا يشبه سباق بين 10 سيارات ممتازة من جانب و 1000 سيارة متوسطة من جانب آخر، و يتم بهذا السباق تدمير أحد السيارات عشوائياً كل دقيقة -مما يوازي القتل في الطبيعة- فكثرة عدد السيارات المتوسطة يعطيها بشكل إجمالي فرصة أفضل في النجاح.


و فيما أختار الـ Turritopsis nutricula الطريق الأول، أختار الإنسان -و غالبية الكائنات الحية- الطريق الثاني، طريق إستخدام الجسد للتكاثر للحفاظ على النوع على أن يموت مع إنتهاء مهمته، لكن قد يظهر تساؤل هنا : لمَ يحتاج التكاثر كل تلك الطاقة ؟. نظرة فاحصة لأجهزتنا التناسلية تجيبنا على هذا، فأجهزتنا التناسلية تقوم بإستهلاك الطاقة بأستمرار لكي تكون مستعدة طوال الوقت للتخصيب، تلك الطاقة تُصرف في الذكور لصنع خلايا إنشائية في صورة حيوانات منوية، فيصنع الجهاز التناسلي الذكري الملايين منها بأستمرار، تبذير الطاقة في صنع الملايين منها له سبب وجيه، فخلال صناعته للحيوانات المنوية ينتج بعضٌ ضعيف، بعضٌ معيوب جينياً، بعضٌ يعاني من مشاكل خلوية، إلخ، لذا فمع صناعة الملايين من الحيوانات المنوية يضمن أن يصل أفضلها إلى البويضة، بينما إن نظرنا للجهاز التناسلي الأنثوي نجد أنه يصنع عدد قليل جداً من البويضات الكاملة في مقابل عدد الحيوانات المنوية، إلا أنه من أجل هذا يقوم بإستخدام الكثير من الطاقة، فهذا الجهاز يصنع عدد كبير من الخلايا الصانعة للبويضات، و قبل أن تخرج أن تخرج أي بويضة إلى الرحم تمر أولاً بإجراءات محكمة للتحكم بجودتها، فيتم إستبعاد البويضات قليلة الجودة، و يتم إختيار أكثر البويضات إكتمالاً لكي تمر إلى الرحم، و كل تلك العمليات التكرارية الهادفة للحفاظ على الجودة تستهلك قدر ضخم من الطاقة.


يأتي هذا بنا للتخصص الخلوي، فالحيوانات المنوية و البويضات تعرف بأسم الخلايا الإنشائية لأنها قادرة على صنع خلايا جديدة تماماً، لهذا فهي قادرة على صنع كائن كامل من جديد، بينما تقوم الخلايا العادية بإنقسام خلوي يصنع نسخة من الخلية المنقسمة، لذا فأقصى قدرتها هو علاج الجروح و ما شابه، لكن إن فقدنا ذراعاً، لا يستطيع جسمنا المكون من خلايا عادية إعادة بناءه، فالخلايا الوحيدة التي تستطيع إعادة بناءه هي تلك التي قامت ببنائنا في أرحام أمهاتنا، و هي ذاتها الخلايا الموجودة فقط بداخل أجهزتنا التناسلية، لكن ما هو سبب عدم تكون جسدنا ككل من خلايا إنشائية ؟، فالـ Turritopsis nutricula مثلاً مكون بشكل كامل منها، كما تتكون الدائرة الوسطى في نجوم البحر من خلايا إنشائية كذلك، هو ما يتسبب في حالة تقطيعنا نجمة بحر إلى أجزاء في نمو كل جزء منهم ليصبح نجمة بحر كاملة، لذا فما هي مشكلة أجسامنا ؟.


مشكلة أجسامنا هي التخصص الخلوي، فلكي تستطيع أجسامنا بناء خلايا من أنواع عديدة كالخلايا العصبية، خلايا الدم، خلايا البشرة، خلايا العظام، خلايا العضلات، الخلايا الغددية، خلايا النخاع، و إلخ، أضطرت أن تتخلى عن الشكل الأولي للخلايا و هو الخلايا الإنشائية، فلا تستطيع أجسامنا أن تجعل من الخلايا الإنشائية خلايا عصبية كمثال بدون أن تزيل قدرتها الإنشائية، و هو ما يوضح سبب بساطة و بدائية الكائنات ذات الأجسام المكونة من خلايا إنشائية، فلكي يتم بناء كائن معقد جداً كالإنسان لابد من أن يحدث تخصص خلوي، على عكس تلك الكائنات، مما يمكنها من الحفاظ على القدرة الإنشائية في خلاياها. لذا فبين الحاجة للحفاظ على النوع من خلال التكاثر من جانب و التعقيد البنائي من جانب آخر، يفقد الإنسان القدرة على صيانة و تجديد جسده بإستمرار، بشكل أعم، يفقد القدرة على الحياة بلا موت.

Advertisements

4 تعليقات to “العمر : 1. لمَ نموت ؟”

  1. عاصم Says:

    أحب أن أشير أن بعض الكائنات الحية من البرمائيات مثل حيوان السلمندر لديه قدرات تجددية هائلة لأنسجته، بحيث إذا قطع جزء من ذراعه تقوم بعض الخلايا المتخصصة بالعودة إلى الحالة غير المتخصصة أو الإنشائية فينمو عضوه مرة أخرى، و نحن برنامجنا الجيني يحتوي على ما ينشئ الجسم من خلية مفردة إلى كائن متكامل، فكم سيكون مفيدا لابشرية لو تمكنا من معرفة ما يحدث على المستوى الخلوي و الجزيئي في خلايا السلمندر و محاولة تطبيق ذلك في البشر و الله أعلم

  2. FAR...CRY Says:

    أظن أننا قد نصل في يوم بالمستقبل البعيد لتعديل أجسادنا جينياً فنعيد إضافة ما تخلت عنه الطبيعة، الهندسة الجينية بشكل عام قد تصل بنا إلى تطبيقات أبعد من خيالنا، لكن ما دامت ممنوعة على البشر في القوانين الحالية، و ما دام فهمنا لأجسادنا مازال بعيد كثيراً عن مستوى الفهم المطلوب، لن نشهد و لن يشهد أولادنا ذلك على الأقل D=

  3. عاصم Says:

    يا عم متقولش كده حتزعلني، إن شاء الله نفهم الحاجات دي و نشهدها قبل ما نمووووووت :'(

  4. FAR...CRY Says:

    ههههههههه لا يمكنني إلا أن أتمنى مثلك، أو أن أهرب إلى جانب ثقب أسود لكي يتباطيء الزمن الخاص بي D=

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: