العمر : 2. لمَ نشيخ ؟


حاجتنا المستمرة للغذاء تنبع من ضرورة حصول أجسادنا على طاقة تستخدمها في مجالين أساسيين، المجال الأول غير ضروري لنجاتنا كأفراد، لكنه ضروري جداً لنجاتنا كجنس، و هو مجال التكاثر، أما المجال الثاني ضروري لنجاتنا كأفراد، لكنه ليس ضروري لنجاتنا كجنس، و هو تشغيل، صيانة و إصلاح الخلايا، و كما أوضحنا، خلال التطور تم تفضيل نجاة الجنس على نجاة الأفراد، مما سمح للخلايا بالتخلي عن الإهتمام بعدم الموت، و هذا بدوره سمح لها بالتخصص بشكل يصلح لتكوين كائنات معقدة و مركبة، مثل الإنسان، لكن لماذا لا تستطيع أجسادنا المعقدة تلك الحياة إلى الأبد ؟.


خلال حياتها، تتعرض خلايا الكائنات المركبة بإستمرار إلى التلف المتمثل في طفرات الـ DNA، التغيرات البروتينية، و غير ذلك كثير، و كل خلية تالفة تنتهي لأحد الإحتمالات الآتية، فإما أن تجعل من نفسها خلية مغلقة لتمنع حدوث الإنقسام الخلوي، و بتلك الحالة يمكن أن تموت، أو أن تشفى و يزول إغلاقها، و إما أن تقوم بتدمير نفسها -عملية الـ Apoptosis-، و هي عملية ذات حدين، فإنتحار الخلايا يحمي الجسد من خطر الخلايا التالفة، لكن حين نصبح مسنين و تنتشر الخلايا التالفة بأعضائنا، يُمكن أن يؤدي هذا الإنتحار إلى فشل أو توقف العضو، و أخيراً من الممكن أن تستمر في الإنقسام الخلوي بعد تلفها مما يؤدي لتراكم التلف.


و يقوم الجسم من جانبه بما يمكنه لإصلاح أو قتل كل خلية تالفة، لكن لأن نظام الصيانة بتلك الخلايا خارجي عنها -أي ليس بداخل كل خلية مفردة منهم- يؤدي هذا إلى هروب بعض الخلايا التالفة من عملية الصيانة تلك، و عبر مرور الزمن، يتزايد عدد الخلايا التالفة بأعضائنا و هو ما يظهر كشيخوخة تدريجية، فتبدأ الذاكرة بالضعف، و تقل قدرة العينين على الرؤية، و تصبح المفاصل و الغضاريف هزيلة، و كذلك الرئتان، كما يقل أداء القلب و صماماته، مما قد يؤدي إلى جلطات مميتة، و كل هذا بسبب تراكم الخلايا التالفة التي تظهر كأمراض عضوية غير فيروسية، و يمكن لأحد تلك الأمراض أو الإختلالات بوظائف أعضائنا أن يؤدي إلى توقف أحد العمليات الرئيسية التي تبقي الجسد على قيد الحياة، مما يعني الموت، لذا فيبدو بشكل عام أن أجسادنا المعقدة لا تستطيع أن تعيش، كالـ Hydra، للأبد، لكن أيمكننا على الأقل تمديد عمرنا ؟.


يمكننا تصور الوسيلة الأساسية لتمديد العمر هي تغيير نسب تقاسم الطاقة بين الصيانة و الإصلاح من جانب و بين النمو و التكاثر من جانب آخر، فالأبحاث البيولوجية الحالية قد تنتج أدوية تحتوي على مواد تؤثر في معدل إستقلاب الخلايا بشكل يجعلها تهتم أكثر بالصيانة و الإصلاح، و يبعدها عن التكاثر مما يحافظ على صحة أعضاء الجسم لفترة أطول، فقد رأينا من خلال تلك الأبحاث أن الديدان الحلقية -و كذلك الفئران و الذباب- تستطيع أن تعدل كثيراً في معدل إستقلابها إن كانت تمر بظروف بيئية غير مناسبة كالجوع و قلة الغذاء مثلاً، فبالحقيقة تطيل كمية الغذاء الأقل من العمر، و رغم غرابة هذا إلا أنه مفهوم في إطار نظرية الـ Disposable Soma، حيث تمثل المجاعات أوقات سيئة للتكاثر، مما يدفع الجسم للتقليل من إهتمامه بالتكاثر أو حتى إيقافه بشكل كامل، مما يحول جزء كبير من الطاقة إلى رصيد صيانة الخلايا، و بالتالي يزيد من عمرها، إلا أن القيام بمثل هذا التأثير بأجسامنا يتطلب سنوات من قلة الأكل و الجوع.


و قد توجد وسائل أخرى لتمديد العمر أيضاً بخلاف تعديل الإستقلاب، فدراسة الخلايا التالفة و أسباب إختيارها لأحد المسارات الثلاثة المذكورة بالأعلى قد تؤدي إلى علاج يدفع الخلايا إلى إستخدام الإغلاق و التوقف عن الإنقسام بدلاً من الإنتحار، مما يزيد فرصة إعادة تجديد الخلايا التالفة و يقلل من آثارها التراكمية على الأعضاء، و قد تم فعلاً إكتشاف أن الخلايا تنقسم في حدود عدد معين من المرات يُعرف بأسم حدود Hayflick، و يحدث هذا عندما تبلى الأغطية التي تقي الكروموسومات من التآكل، و بالعام الماضي تم إكتشاف آليات معقدة بداخل كل خلية تراقب مستويات التلف في الـ DNA و وحدات توليد الطاقة -الـ Mitochondria– و عندما يتعدى التلف حداً معيناً، تقوم الخلية بإغلاق ذاتها بشكل يسمح لها بإستكمال وظائفها العادية، لكن بدون أن تنقسم، و هي آلية قابلة للإستخدام في دراسات تمديد العمر و الوصول لصحة أفضل في فترة الشيخوخة.


لكن من جديد نؤكد على أن تلك الدراسات لن تؤدي إلى حياة أبدية، و إنما تهدف إلى تحسين شيخوختنا و تقليل حدتها، و ستبقى الحياة الأبدية حصرية على الكائنات البسيطة فقط، فيبدو أنها المقابل الذي فقدناه في مقابل الحصول على ذكائنا البشري، مما يعني أن الأمر كالتالي : إما أن نمتلك مخ و ذكاء و إدراك للعالم من حولنا و بالمقابل نعيش لعمر محدد فقط، أو نعيش للأبد في مقابل عدم إمتلاك مخ أو ذكاء أو إدراك للعالم من حولنا. و أجسادنا كجزء من جنس يسعى للإستمرار أتجهت للإختيار الأول، كما أننا كبشر بشكل عام نفضل الإختيار الأول دائماً، فغريزياً يمثل الإدراك أهمية أكبر كثيراً من الحياة الأبدية بالنسبة لنا.

Advertisements

7 تعليقات to “العمر : 2. لمَ نشيخ ؟”

  1. حنّونْ Says:

    بعيدا عن البيولوجيا عمر الإنسان يحدده عمله لا العمر الزمني حقيقة فمئة عام بلا عمل يذكر تدفنك حقا بعد مئة عام أما خمسين سنة وعمل ينفع البشرية يخلد هذه الخمسين لتصبح أبدية حتى وإن غاب الجسد : )

    تحياتي..

    سعيدة جدا لأني هنا (F)

  2. أحمد Says:

    أهلا صديقي مجددا
    لا أعلم إن كنت تحب البرامج الوثائقية أو لا، لكني أحب فعلا ان تشاهد هذا الوثائقي به معلومات هائلة عن هذا الموضوع، حقيقة السلسلة برمتها رائعة لكن هذا الفصل تقريبا هو الأكثر إمتاعا

    دمت سالما (f)

  3. FAR...CRY Says:

    حنّونْ،..

    هذا بالتحديد ما عنيته بذكر أننا نفضل جداً أن نعيش لعمر محدود على أن ندرك العالم من حولنا، بدلاً من أن نعيش للأبد و نحن لا ندرك أي شيء، فنحن فعلياً نقيس عمرنا بقدر ما حققناه. و بل سعيد أنا لأنكِ هنا صديقتي (F)

  4. FAR...CRY Says:

    أهلاً بك أحمد، أحب البرامج الوثائقية بالتأكيد، يتحدث هذا الفصل عن ذات الموضوع الذي أتناوله هنا، بتركيز أكثر على كيفية إطالة العمر، يتحدث خاصة عن جانب لم أتحدث عنه و هو الهندسة الجينية، ففعلاً أتاحت الهندسة الجينية إطالة عمر الفئران إلى الضعف، لكنني لم أذكر هذا بسبب أن الفئران ذات عملية أيض سهلة التغيير، حتى الفئران تتحكم بها بسهولة، بينما البشر ليسوا كذلك، لذا لا أخفي عليك أن هذا الفصل يبالغ قليلاً في مدى قربنا من الوصول لوسائل تطيل العمر، فخاصة مع منع التجارب على البشر، مازال أمامنا طريق طويل قد يمتد لما يتخطى النصف قرن للوصول لشيء مشابه، إلا أن ما يذكره بشكل عام صحيح.

  5. أحمد العبيدي Says:

    يمكن فهم التعرض للجوع .. كنوع من ايقاف العمليات اليومية لبعض الوقت الذي تستغله الخلايا في عملية التصليح ..
    ولكن لعدة سنوات .. اعتقد غير مدعوم .. نحن نشاهد المجتمعات الافريقية التي تتعرض لمجاعات قاسية وطويلة .. وهي لم تفقد قدرتها على التكاثر .. بل العكس صحيح .. نشاهد ان نسب الانجاب في المجتمعات الفقيرة وذات الظروف السيئة اكثر بكثير من غيرها !

  6. FAR...CRY Says:

    لا يمكن إيقاف القدرة على التكاثر، و إنما إبطائها و تخصيص القدر الأدنى من الطاقة للحرص على جودتها، لكن لكي تتوقف القدرة على التكاثر بشكل كام فهذا يتطلب ملايين الأعوام من التطور، و لكن لوجوب أن يكون هذا التطور مصحوباً بعدم تكاثر يكون فقد تلك القدرة مستحيل فعلياً.

    لهذا نجد أن كهنة الديانات الشرقية التي تميل إلى الإقلال من الغذاء يعمرون طويلاً، أما عن المجتمعات الأفريقية التي تتعرض لمجاعات طويلة، فستجد أن نسبة الأطفال المشوهين بتلك المجتمعات كبيرة، و يمكن تفسير هذا بنفس الإطار، أي بسبب تقليل الطاقة مما يتسبب في تقليل جودة الخلايا الإنشائية.

  7. أحمد العبيدي Says:

    تبقى الفكرة جميلة جداً .. وتستحق التأمل

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: