دراسة متخصصة للعقل : 1. الأفكار الأولية.


بعدما قدمنا سلسلة المقالات التي تتناول دراسة العقل بأسلوب سلس يناسب الجميع -و التي تبدأ هنا– ظهرت الحاجة للحديث عن مفاهيم دقيقة تعمدنا التخلي عن ذكرها في السلسلة الرئيسية، مفاهيم تتعلق بجوهر الكون، طبيعة الوعي، مشكلة الثنائية، الصلة بين المعرفة و الواقع، و كيفية تأثير الوعي على المخ، و هو ما يختلف عن التأثير الذي سبق توضيحه من المخ على الوعي، و لهذا نتحدث بتلك السلسلة الفرعية عن تلك المفاهيم، مع التأكيد على كونها سلسلة متخصصة موجهة للقاريء المتخصص، مما يعني عدم تقديم شرح مفصل لكل ظاهرة أو تطبيق إعتماداً على معرفة القاريء.


يقوم النموذج السابق تقديمه عن العقل على فكرة مركزية مستمدة من الأساس الفيزيائي لكوننا، تلك الفكرة ببساطة هي أن : العالم الفيزيائي الموصوف بقوانين الفيزياء هو بناء من الميول في عالم العقل. و هي فكرة كامنة في التفسيرات الفيزيائية لكل من von Neumann1، Whitehead2، Henry Stapp3، Wigner4، و كذلك Heisenberg5، و يوضح الأخير تلك الفكرة من خلال قوله :


‹‹ نحن أخيراً مضطرين للإيمان بأن قوانين الفيزياء التي نصيغها رياضياتياً في نظرية الكم لا تتعامل مع الجسيمات ذاتها، بل مع معرفتنا بالجسيمات، لذا فالتصور الذي يرى الواقع الموضوعي على أنه مكون من جسيمات قد تبخر بطريقة طريفة، لكن لا لتصور ضبابي جديد غير مفهوم، بل إلى الوضوح الشفاف للرياضيات التي تمثل معرفتنا بسلوك الجسيمات الأساسية، لا سلوك الجسيمات ذاته6 ››


قاصداً بهذا أن الواقع الموضوعي، أو الكون، ليس مكون من جسيمات و طاقة، و إنما من ميول موضوعية و أحداث حقيقية، تلك الميول هي الموجات الإحتمالية الكمومية، و هي موضوعية لكونها خارجية عن أفكارنا، فهي جزء من الواقع و حقيقية بشكل ما*، تلك الموجات الإحتمالية لها تطور متصل محكوم بقوانين رياضياتية ناتجة عن تعميم مباشر لقوانين الفيزياء الكلاسيكية، لكن تلك الموجات لا تتحكم في الأشياء الحقيقية ذاتها، هي تتحكم فقط في الميول الموضوعية، أو الإحتمالات، أما لحدوث الأشياء الحقيقية يوجد تلك القفزات الكمومية، و هي قفزات غير محكومة بأي قانون فيزيائي معروف، رغم أنها تطيع قواعد نمطية صارمية، هذه القفزات يتم إعتبارها على أنها هي الأشياء الحقيقية و المتحققة، و هي تمثل الأحداث الكمومية، يضيف Heisenberg المزيد من التوضيح بقوله :


‹‹ إن أردنا أن نشرح ما الذي يحدث على المستوى الذري يجب أن ننتبه إلى أن كلمة يحدث تنتمي للفعل الفيزيائي في الرصد، لا الفعل العقلي، و يمكننا أن نرى أن الإنتقال من الممكن إلى المتحقق يتم حالما يحدث تفاعل بين الموضوع الذري و جهاز القياس -و بالتالي بقية العالم-، أي أن هذا الإنتقال غير متصل بفعل تسجيل نتيجة الرصد في عقل الراصد. لكن التغيير المتقطع في الدالة الإحتمالية من جانب آخر يحدث مع فعل التسجيل، و هذا بسبب أن التغيير المتقطع في معرفتنا لحظة التسجيل يعكس صورة التغيير المتقطع في الدالة الإحتمالية7 ››


هذا التصور الجديد عن الكون و تكوينه يمثل، كما ذكرنا، الفكرة المركزية في هذا النموذج عن العقل، لكن هناك فكرة أولية أخرى هامة تتعلق بطبيعة الأنا، أو طبيعة الوعي، فقد أعتاد مفكري عصر النهضة البحث عن الذات المفكرة التي من خلالها تنتج أفكارنا، و هو البحث الذي أنتقلت صورته إلى العامة فيما بعد ذلك، و مازالت مستمرة بالتواجد إلى اليوم، متمثلة في تخيل أن الأفكار تنتج عن كيان غير فيزيائي يطفو بمكان ما، هذا التخيل الفاصل بين الأفكار و الذات المفكرة يتسبب في ظهور مشكلة الثنائية المعروفة، و التي يخصص Daniel Dennett كتابه Consciousness Explained لتوضيحها و إثبات إستحالة وجود مثل تلك الثنائية الشائعة، لكننا نعرف اليوم أن تلك الثنائية غير ضرورية، و ما هي إلا نتاج فكر نشأ في ظل الفيزياء الكلاسيكية التي سقطت مع بداية القرن الماضي، فبمقابل هذا الفكر أصبح من الواضح عدم الحاجة لمثل تلك الثنائية، بل عدم الحاجة لوجود ذات مفكرة، هو ما يوضحه William James بجملة أنيقة ينهي بها فقرته التالية :


‹‹ الوعي الذاتي عبارة عن تيار من الأفكار، كل فكرة تحمل أنا تستطيع 1. تذكر الآنات السابقة و معرفة الأشياء التي كانوا يعرفوها، 2. تأكيد الإهتمام بشكل خاص ببعضهم في صورة أنا، و ملائمة البقية لها. تلك الأنا هي المجموع التجريبي للأشياء المعروفة بشكل موضوعي، و الأنا التي تعرفهم لا يمكنها أن تكون إجمالية، و لا تحتاج لأي سبب نفسي ليتم إعتبارها كيان ميتافيزيقي غير متغير كالروح، أو مفهوم كالذات الصرفة التي ننظر لها كأنها بخارج الزمن. الأنا هي الفكرة، عند كل لحظة مختلفة عن اللحظة السابقة، و متلائمة مع التالية، الفكرة هي ذاتها المفكر، و علم النفس لا يحتاج أن يبحث عن أكثر من هذا8 ››


الفكرة هي ذاتها المفكر، هذا بالضبط ما يقوله هذا النموذج عن العقل كما أوضحنا سابقاً، هذا الإيضاح الذي شمل كيفية تكوين الأفكار عبر الأحداث الكمومية المتحققة في السيناريوهات الكمومية، تلك السيناريوهات التي تتشكل كنتيجة للتكوين الخلوي لمخنا و الطريقة المتبعة في التواصل بين الخلايا، و هي التي نرى عبرها التأثير المباشر من المخ على الوعي، و طبيعة القدرات الواعية كالذاكرة و التعلم و الخيال.

l


* حقيقية بشكل ما يقصد بها أن الموجات الكمومية موجودة وجود موضوعي، لكننا لا نعلم إلى الآن طبيعة هذا الوجود، فالميول -حتى إن كانت موضوعية- لا توجد في صورة فيزيائية يمكن لمسها أو دراستها مثلاً


l1. J. von Neumann, Mathematical Foundations of Quantum Mechanics.l
l2. A. N. Whitehead, Process and Reality.l
l3. H. P. Stapp, Mind, Matter, and Quantum Mechanics.l
l4. E. Wigner, in The Scientist Speculates.l
l5. W. Heisenberg, Physics and Philosophy.l
l6. W. Heisenberg, Daedalus.l
l7. W. Heisenberg, Physics and Philosophy.l
l8. W. James, The Principles of Psychology.l

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: