دراسة متخصصة للعقل : 2. الجسر الفسيوفيزيولوجي.


تقدم ميكانيكا الكم بتلقائية جسر بين كيانات البشر و واقعهم يوضح أنهم ليسوا عناصر سلبية أو جامدة فيه، فحساسية سلوك أجهزة الرصد لسلوك الجسيمات تحت الذرية تظهر أن فعل الرصد الذي يقوم به الإنسان تجاه خصائص جهاز ماكروسكوبي له فاعلية ذات قدرة على التأثير في الناتج، و ذلك يغير جوهرياً من بناء النظرية النفسية العامة، حيث تصبح الصلة بين السلوك النفسي و المعرفة البشرية اشبه بجسر رياضياتي ذي إتجاهين يحدد تفاعلات تشتمل على إختيارات متخذة من قبل العقل الواعي، هذا التغيير الجوهري هو ما يلخصه Bohr في قوله :


‹‹ في الدراما العظيمة للوجود، نحن الممثلون و المشاهدون معاً1 ››


حين تم وضع الصياغة الأصلية لنظرية الكم في تفسير كوبنهاجن، قام Bohr و رفاقه بمعاملة النظرية براجماتياً، فكتبوها في مجموعة من قواعد عملية تقسم الواقع الفيزيائي إلى جانبين هما الموجات الإحتمالية و الأحداث الكمومية، أو ما يسميه Von Neumann بالعملية 2 و العملية 1 بالترتيب، العملية 2 محلية و حتمية و تمثل تطور الموجة عبر الزمن بقوانين محددة جداً، لكن العملية 2 لا تتواجد بمفردها أبداً، فإن فعلت لبدى القمر مثلاً عبارة عن كيان متناثر على مساحة واسعة من السماء، و لهذا لا تفسر تلك العملية الخبرة البشرية، و ذلك هو دور العملية 1، و هي عملية إنتقائية مرتبطة بالخبرة الواعية، و ليست محددة بالحتمية الميكروسكوبية المحلية الخاصة بالعملية 2، مما يجعلها إختيار يقوم به الفرد تجاه ما سيفعله أو يرصده، أي أن الصلة بين عناصر الواقع و الخبرة البشرية في الإطار الكمومي هي صلة فيزيائية محددة رياضياتياً، و هي صلة فعالة، بخلاف الصلة السلبية الميتافيزيقية الموجودة بالفيزياء الكلاسيكية.


يوضح Von Neumann تلك النقطة الأخيرة من خلال تضمينه أجساد و أمخاخ الراصدين و كذلك أجهزة رصدهم داخل الوصف الكمومي، و الإبقاء بذات الوقت على عقل الراصد، تلك الخصائص الموصوفة ذهنياً الضرورية في بناء نظرية الكم، و النظام الذي يعمل عليه العقل هو المخ، لكن لفظة العقل أو أياً كان الأسم الذي نطلقه على الخصائص الذهنية للراصد يشجع على تصورها ككيان منفصل عن أجسادنا، يقف بعيداً عن الجسد و المخ، بينما الوصف الكمومي للعقل أو الخبرة الواعية هو أنها خاصية ناشئة عن الجسد و المخ، تماماً كنشوء اللامحلية عن الجسيمات الفيزيائية، و تلك المشابهة لا يُقصد بها المشابهة في المنهج فقط، بل في طبيعة الكيانات كذلك، مما يلغي الحاجة للدفاع الكلاسيكي عن الوعي ضد إتهامه بعدم وجود فاعلية سببية أصيلة له، فبالإطار الكمومي يكون الوعي ناشئاً عن المخ، و مؤثراً فيه.


لكن هذا يرفع السؤال التالي : كيف يمكننا إدخال تأثير الفعل الموصوف فسيولوجياً في نظام موصوف فيزيائياً بدون تخريب البناء السببي لهذا النظام ؟، و الإجابة هي مبدأ عدم اليقين الذي وضعه Heisenberg، فهذا المبدأ الأساسي في كوننا الذي يمنع القدرة على رصد الخصائص الميكروسكوبية بشكل مكتمل حتى إن إعتمدت عليها ظاهرة ماكروسكوبية يمنع بالتالي من قدرتنا على إمتلاك وصف سببي مكتمل لتلك الظاهرة، لكن الفجوة السببية الناجمة عن هذا العجز يمكن تعويضها جزئياً عبر تقديم الإختيار الموصوف فسيولوجياً كبديل للبيانات الميكروسكوبية المتعذر الوصول لها، لذا فالفقد الذي أوضحته الكمومية في الحتمية السببية على المستوى الميكروسكوبي يسمح لعامل سببي إحصائي بإحلال مكانه ماكروسكوبياً عبر البيانات المتاحة تجريبياً عن إختيارات الإنسان للأفعال.


و بالنظر إلى المخ الفيزيائي، نجد أن العملية 2 تقوم بأغلب ما هو مطلوب لإخراج الأفعال، بل لكبر حجم ما تقوم به ينتج عنها نوع من الوعي المنخفض المستوى نسميه العقل الباطن، فالعملية 2 تهتم بجميع التفاصيل و القرارات الصغرى و تحليل البيانات الحسية و حتى بناء سيناريوهات كاملة، لكن بسبب بنية المخ، تقوم تلك العملية بإنتاج كم ضخم من تلك السيناريوهات المتضاربة حيناً و المتداخلة حيناً آخر، و هنا يأتي دور العملية 1، فهي تخرج من تلك الفوضى سيناريو مستقر ديناميكياً يحتوي بداخله تفعيل لمكونات المخ شبه المستقلة في ترتيب منسجم داعم متبادل يميل إلى إطالة بقائه و إنتاج تغذية مرتدة مميزة، لكن القوانين الكمومية توضح أن تلك الإطالة لا تحدث إلا إن كان هناك نوع ما من إستمرارية أو تكرار التقرير، و يجب أن يكون هذا التكرار قابلاً للزيادة بالمجهود الذهني مما يمنحنا فهم لظاهرة الإرادة، و هنا يأتي دور التأثير الكمومي المثير للإهتمام و المسمى بتأثير زينو -و الذي سيتم شرحه لاحقاً-، فهو يبطل القوى الميكانيكية الناشئة عن العملية 2، و يتسبب في إنحياد كبير عما كان النشاط المخي ليكون عليه إن لم يكن هناك مجهود ذهني قائم، يقول William James :


‹‹ الأشياء التي يمكن لها أن تجذب إنتباهنا محددة تماماً، فلا يوجد موضوع قادر على جذب إنتباهنا إلا بواسطة الميكانيكا العصبية، لكن قدر الإنتباه الذي يحصل عليه هذا الموضوع بعدما يجذب إنتباهنا هو قضية أخرى، حيث يتم بذل جهد لإبقاء العقل مركزاً عليه، و نحن نشعر بقدرتنا على زيادة أو تقليل هذا الجهد كما نريد، تلك القدرة تشارك بشكل متساوي مع الظروف الدماغية في النتيجة. الإنجاز الأساسي للإرادة حين تكون طوعية هو بإختصار توجيه الإنتباه إلى موضوع معين و تثبيته أمام العقل، أي أن جهد الإنتباه هو ببساطة ظاهرة الإرادة، و مهمته الرئيسية هي الإستمرار في تأكيد و تبني الأفكار التي، إن تُركت بدونه، لتلاشت بسرعة2 ››


هذا الوصف لتأثير العقل على مسار العمليات المخية متوافق تماماً مع الوصف الكمومي الرياضياتي الصرف الذي تم التوصل له بشكل مستقل، توافق يجعلمها يبدوان كأنهما ناتج بناء علمي واحد، رغم أن الوصف الذي قدمه James مبني فسيولوجياً بينما الوصف الكمومي بناه الفيزيائيون لشرح الظواهر الذرية، لذا فذلك التوافق يمنح قوة تأكيدية هائلة لهذا النموذج عن العقل.

l


l1. N. Bohr, Atomic Physics and Human Knowledge.l
l2. W. James, Psychology: The Briefer Course.l

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: