إثبات Godel الوجودي.


كان الجدل حول وجود كيان أعلى ممثلاً في إله، و مازال، جدل يمتد بلانهاية، يستخدم فيه كل طرف عجز الآخر عن إثبات وجود كيان إلهي من عدمه بشكل قاطع، و هو عجز ناتج بالحالتين عن إستخدام المنطق الصوري، الأرسطي الأساس، الذي يوجد به مشكلتين رئيسيتين، أولهما أنه منطق ثنائي القيم، مما يعني أنه لا يستطيع تناول الممكن، و إنما يتناول ما هو ضروري و ما هو مستحيل فقط، و ثانيهما هو وجود عدة ثغرات بالقياس فيه، ثغرات تسمح بجعل القياس إستقرائياً، مما يسمح بالتالي بالجدل و الإختلاف حولها، لكن رغم تطور المنطق بشكل هائل خاصة في المائة عام الأخيرين مع ظهور المنطق الرمزي، مازال ذات الجدل يقوم على ذات المنطق الصوري العاجز عن تقديم إستدلال نهائي قاطع.


يؤسس وجود الوجود الإلهي بشكل عام في إطار المنطق الصوري على أساس بسيط، هذا الأساس يبدأ من تعريف الإله بأنه خالق الكون و الوجود، ثم يتناول ضرورة وجود سبب أول للكون، فحتى إن كان الكون دوري، يبقى متطلباً لسبب أول لظهوره في صورته الدورية، مما يعني أن هناك سبباً خارجي عن الكون تسبب في خروجه للوجود، و بالتالي فأياً كان هذا السبب، يكون هو ذاته الوجود الإلهي خالق الكون، أي أن صورة هذا البرهان هي :


‹‹ عند الحديث عن الأسباب المتتالية للوجود، من إنفجار عظيم و إفتراضات تسبقه و إلخ، لابد أن نصل لنقطة لا تتكون من شيء، لم يسببها شيء، كما أنها تفسر نفسها، بمعنى هي السبب و النتيجة معاً بجوهر واحد، هذا الجوهر هو الإله كخالق، و كما نرى مثل هذا الجوهر الأول هو ضرورة، فإفتراض عدم وجوده يعني بالتالي إفتراض عدم وجودنا، لكن بما أنه من المسلم به وجود الوجود، فالجوهر الأولي ضرورة، و هو ما نضع له أسم الإله ››


لكن رغم صحة هذا البرهان منطقياً، إلا أنه يعاني من أمرين، أولهما هو أنه لا يشمل من صفات الإله سوى الخلق، فلا يشمل الإدراك أو العلم، و ثانيهما هو إستخدامه للمنطق الصوري، مما يجعله عرضة للإتهام المتكرر بأنه قائم على مغالطات لفظية أو منطقية، أو حتى مغالطات تصورية، بسبب أن إستخدام الكلمات المنطوقة يرتبط بأذهاننا بمعاني مجردة قد لا تكون حقيقية و إنما مجرد إنطباعات وهمية كإنطباع تسطح الأرض، مما ينتج ذلك الجدل، رغم سهولة ضحده بأحد أساسات هذا البرهان و هو مبدأ تميز الإله عن الكون :


‹‹ ضعف العلم يدفع للظن بأن العلم الحديث أثبت أن الكون لم يخلقه إله، بل أمر آخر، هذا الأمر الآخر تحدده درجة ضعف العلم، فالدرجة الأضعف تعتبر هذا الأمر هو الإنفجار العظيم، الدرجة الأقل ضعفاً تعتبره التضخم العشوائي، ثم يليهم القائلين بحقول هيجز، فالتقلبات الكمومية، و أخيراً : أغشية نظرية M. لكن الغريب هنا أن تلك الأمور كلها جزء من الكون، التقلبات الكمومية، حقول هيجز، و حتى أغشية نظرية M، كلها أمور أصبحت موجودة عندما أصبح الكون موجود، قبل ظهور الكون إلى الوجود لم تكن تلك الأمور موجودة كي تخلق الكون، أعني، لا يمكن أن ننظر لجسدنا ثم نختار أحد أعضاءه، الكبد مثلاً، و نقول : هذا هو ما أتى بي للحياة. تماماً كما لا يمكننا النظر للكون و إختيار أحد مكوناته لنعتبره المتسبب بخلق الكون، هذا ما يميز الإله كخالق، فالإله ليس جزء من الكون، الإله موجود قبل أن يُوجد الكون ››


لكن رغم هذا لا يتوقف الجدل لقيام البرهان على كلمات لا رموز، أي على منطق صوري لا رمزي، و هو ما لاحظه المنطقي الرياضياتي Kurt Godel، أحد أهم مناطقة القرن العشرين، مما دفعه لتقديم برهان أشد قوة بمراحل عن البرهان السابق، تلك القوة التي نقلته من مستوى البرهان إلى مستوى الإثبات، فأصبح يُعرف منذ السبعينات بإثبات Godel الوجودي، و قد أستمد هذه القوة من إستعمال المنطق الرمزي الحديث المتعدد القيم، لكن قبل تناول تفاصيل الإثبات، يجب تناول بعض مباديء المنطق الرمزي أولاً، هذا المنطق يميز بين الحقائق الضرورية و الحقائق العرضية عبر إستخدام فكرة العوالم الممكنة، حيث يمثل كل عالم ممكن أي عالم موجود أو قادر على الوجود، لذا فحين نقرأ رواية ما، حتى إن كانت أسطورية، فهي تمثل عالم ممكن، و حين نتخيل أحداث لم تحدث بعالمنا، نقوم بتخيل عوالم ممكنة أخرى، أما عالمنا فهو عالم ضروري، لأنه موجود فعلياً، لذا ففيما كل عالم ضروري هو عالم ممكن، لا يكون كل عالم ممكن عالم ضروري.


على هذا الأساس يكون من القيم الموجودة بالمنطق الرمزي قيمة ضروري و قيمة ممكن، حيث يتم منح صفة ضروري لتلك الحقائق التي تكون حقيقية في جميع العوالم الممكنة، كـ 1+1=2، أما قيمة ممكن فتمنح للحقائق العرضية التي لا تصح إلا في بعض العوالم الممكنة، كالقول بأن عدد سكان الأرض يتخطى 6 بليون. و يتم التعبير رمزياً عن الصفات بالرمز P، إختصاراً لـ Property، لذا فإن أعطينا عدد سكان الأرض الرمز x، و P هي أن عددهم 6 بليون، فستكون P(x)l صحيحة في بعض العوالم، و كاذبة في البعض الآخر، و ستكون بلا معنى في عوالم أخرى لا تتواجد بها الأرض أساساً فتصبح P(x)l عديمة المعنى. و إن أخذنا صفة أخرى و هي Q مثلاً، فيمكننا القول أن P تستتبع بالضرورة Q في حالة أن وجود P في أي عالم يتطلب بالضرورة أن تكون Q موجودة، لذا فإن قلنا أن Q هي أن عدد سكان الأرض 5 بليون، و أن P(x)l صحيحة في أحد العوالم، أي أن عدد سكان الأرض بذلك العالم 6 بليون، تكون Q(x)l أيضاً صحيحة في هذا العالم بالضرورة.


يبدأ الإثبات بالبديهية الأولى Ax.1، و هي أن : من الممكن تمييز الصفات الحقيقية في الأشياء عن بقية الصفات، حيث تكون الصفات الحقيقية هي أي صفة موجودة في الشيء، بخلاف الصفات السلبية التي تشير لفقدان الشيء لها، و نرمز لكل صفة حقيقية بـ P. و من تلك البديهية نحدد البديهية الثانية Ax.2 : إن كانت P حقيقية، و P تستتبع Q، فـ Q تكون حقيقية. ثم البديهية الثالثة Ax.3 : إن كانت الصفات P1, P2, P3, .. , Pn صفات حقيقية، فإن الصفة التالية l(P1 and P2 and P3, .. , Pn)l حقيقية كذلك. و البديهية الرابعة : إن كانت P صفة، فإما P أو نقيضها يكون حقيقي، لا كلاهما.


من بعد البديهيات السابقة البسيطة، تأتي البديهية الخامسة و هي الأساسية بهذا الإثبات، و هي : الوجود الضروري هو صفة حقيقية. و هي تشير ببساطة إلى أحد عناصر البرهان المعتاد، و هو هذا العنصر الذي يحدد وجود عالمنا كوجود ضروري لأن عالمنا متحقق، و لهذا يكون وجوده الضروري صفة حقيقية، و من البديهية الخامسة يستنبط Godel التالي : إن قمنا بتحديد صفة G حيث الشيء y ممكن بأحد العوالم، فتكون G(y)l حقيقية إذا و فقط إذا كانت P(y)l حقيقية بذات العالم لكل الصفات الإيجابية P. و بالتعريف السابق لـ G تكون G صفة إن إمتلكها أي كيان فهذا الكيان يكون الإله، و لما كانت G ممكنة، عبر البديهية الثالثة و البديهية الخامسة نجد أن إمكان G يجعلها ضرورية.


لذا فإن أردنا أن نضع إثبات Godel في كلمات صورية بدون إستخدام المنطق الرمزي فسيكون : إذا كان من الممكن أن يتواجد كيان كلي العلم -أي إلهي- فإذاً بالضرورة يتواجد كيان كلي العلم. و لما كان إمكان وجود كيان كلي العلم حقيقي، فوجود كيان كلي العلم حقيقي بالضرورة. و كما سبق الذكر، ميزة هذا الإثبات أنه رمزي بشكل كامل، فهو يلغي أي جدل قد يقوم حول تعريف الكلمات أو معناها، لذا من بعد شرحه بالكلمات، تكون صورته الرمزية لدارسي المنطق الحديث هي كالتالي :



و نجد بها أن إمكان وجود كيان إلهي يمثل قضية أساسية، إن وُجد هذا الإمكان، فإن الكيان الإلهي موجود بالضرورة، مما دفع البعض بعد إصدار Godel لإثباته إلى محاولة التلاعب بذلك الإمكان، إلا أن أساس هذا الإمكان هو وجودنا ذاته، عبر البرهان الأول، فوجودنا يعني بالضرورة إمكان وجود كيان إلهي، أو بشكل أكثر دقة، وجودنا يستتبع بالضرورة وجود خالق، و وجود خالق يستتبع بالضرورة إمكان كونه كلي العلم، إذاً وجودنا يستتبع بالضرورة إمكان وجود خالق كلي العلم، و عبر إثبات Godel، إمكان وجود خالق كلي العلم يستتبع بالضرورة وجود خالق كلي العلم، إذاً وجودنا يستتبع بالضرورة وجود خالق كلي العلم.

Advertisements

رد واحد to “إثبات Godel الوجودي.”

  1. كاف العود Says:

    كان هناك برهانا بسيطا علي وجود الله تعالي استخدمه اخوان الصفه , فلو سلمنا بديهيا ان الله تعالي واحد احد لاشريك له فان الواحد يدخل في تركيب اي عدد من الاعداد ولن ينقص الا بهذا الواحد او يزيد وحتيس ان مقدار مايزيد به او ينقص يدخل في تركيبه الواحد . اذن ومن هذا البرهان فان الله تعالي خالق كل شئ وان كل شئ اصله الواحد .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: